مسرحية "الإنساوان" لمحمد كواص: حين يتحول الإنسان إلى ساحة للصراع بين العقل والغريزة

تم مسا الأحد 01 نوفمبر 2026 بفضاء التياترو بالعاصمة، عرض مسرحية "الإنساوان" للمخرج محمد كواص، وذلك ضمن برنامج عروض المسابقة الرسمية للدورة الرابعة للمهرجان الوطني للمسرح التونسي "مواسم الإبداع"، التي انطلقت يوم 30 أكتوبر وتتواصل إلى غاية 7 نوفمبر 2026.
وتطرح هذه المسرحية التي أنتجتها شركة "Be Actor Studio"، أسئلة فلسفية واجتماعية حول الطبيعة البشرية وعلاقة الإنسان بالسلطة والآخر، من خلال لعبة مسرحية تمزج بين السخرية والإيحاءات الرمزية والإحالات إلى عالم الحيوان.
وينطلق العمل، الذي كتب نصه وأخرجه وصمم سينوغرافيته محمد كواص، من وضعية عائلية مألوفة تتمثل في اجتماع أفراد الأسرة لمشاهدة التلفاز، قبل أن يتحول تعطل إشارة البث واضطرارهم إلى الصعود والنزول لتعديل طبق الأقمار الصناعية إلى منطلق لسلسلة من المواقف والصراعات. ومن هذه التفاصيل اليومية يبني المخرج عالما ركحيا تتكشف داخله تناقضات الشخصيات وعلاقات القوة التي تحكمها.
ويشارك في أداء أدوار المسرحية الأزهر الفرحاني وزينب فرشيشي ويحيى الفايدي وأصالة كواص وحمودة بن حسين وفاتن الشرودي ومحمد الهادي بن منصور وعلياء السميعي.
ولا يعتمد العرض على بناء درامي تقليدي قائم على تسلسل الأحداث بقدر ما يتأسس على تمارين ومواقف حركية وصوتية تتوالد من اللعبة المسرحية، مع توظيف التكرار والصدى وتبادل الأدوار. ويكتسب البحث عن إشارة البث دلالة تتجاوز العطل التقني، إذ يصبح رمزا لمحاولات التواصل والإصغاء بين أفراد العائلة، في مقابل ما يطبع علاقاتهم من سوء تفاهم وصراع.
ويحيل عنوان المسرحية "الإنساوان" إلى تركيب يجمع بين الإنسان والحيوان، وهو ما تختزله إحدى العبارات الواردة في النص "ما يميز الإنساوان عن الإنسان والحيوان هو استعمال عقله فقط في الشر". ومن هذه المفارقة ينطلق العمل لمساءلة قدرة الإنسان على تجاوز غرائزه، مستحضرا صورة التطور الدارويني وبعض الإيماءات والأصوات المستوحاة من عالم الحيوان.
كما يستند الطرح الفلسفي للمسرحية إلى تصور توماس هوبز للطبيعة البشرية، حيث يصبح الإنسان في صراع مع نظيره سعيا إلى تحقيق مصالحه وفرض نفوذه. ويتجسد ذلك أساسا في العلاقات بين أفراد العائلة، من خلال الخلافات بين الإخوة والتنافس حول المواقع والأدوار، فضلا عن مواقف تستحضر تناقضات العلاقات الاجتماعية والفجوة بين المجاملة المعلنة والسلوك الفعلي.
وتحتل سلطة الأب موقعا محوريا في هذا البناء، إذ يظل الأب ممسكا بموقع النفوذ داخل العائلة، ويجسد الكرسي الأحمر حضوره الرمزي حتى في غيابه. وتبلغ هذه الدلالة ذروتها في المشهد الختامي، حين يبقى الكرسي شاغرا بعد غياب الأب، قبل أن يحاول أفراد العائلة تباعا الجلوس عليه، في إشارة إلى استمرار الصراع على السلطة وإمكانية إعادة إنتاج الهيمنة نفسها بتغير الأشخاص.
وتعزز السينوغرافيا هذه المعاني من خلال عناصر محدودة، أبرزها طبق الأقمار الصناعية الذي يمثل الصلة بالعالم الخارجي، والكرسي الأحمر الذي يحيل إلى السلطة، إلى جانب اعتماد الأزياء بالأبيض والأسود، في إحالة إلى لعبة الشطرنج وما تتضمنه من تقابل وتنافس وتبدل للمواقع.
وفي النقاش الذي أعقب العرض، أوضح محمد كواص أن الاشتغال على المسرحية انطلق من تمارين تقوم على الإصغاء، وأن لعبة طبق الأقمار الصناعية شكلت إحدى نقاط البداية في بناء العمل، قبل أن تتطور تدريجيا إلى مواقف ومشاهد تستثمر العلاقات العائلية وتناقضاتها.
وتقدم "الإنساوان" التي يمتد عرضها على 60 دقيقة، قراءة مسرحية للطبيعة البشرية، إذ لا يؤدي تغير المواقع بالضرورة إلى تغير السلوك، ولا يعني غياب السلطة اختفاء الرغبة في ممارستها. وبين الكرسي الذي يتنازع أفراد العائلة حوله وطبق الاستقبال الذي يحاولون إصلاحه جماعيا، يضع العرض المتفرج أمام سؤال حول قدرة الإنسان على تجاوز نزعاته العدوانية، أم أنه يعيد إنتاجها كلما أتيحت له فرصة امتلاك النفوذ.




13° - 20°







