مهرجان المسرح الوطني مواسم الابداع: مسرحية "الصباط" لمنير العرقي.. حكاية أم وابنتها بين جراح الماضي وتطلعات الحاضر

 تتناول مسرحية "الصباط" للمخرج منير العرقي تعقيدات العلاقة بين الأم وابنتها، وما تختزنه من اختلاف في الرؤى والتجارب وتباين في المواقف من الحياة، من خلال حكاية إنسانية تتداخل فيها الذكريات العائلية مع التحولات الاجتماعية والنفسية، وتطرح أسئلة حول الحرية والاستقلالية والقدرة على تجاوز آثار الماضي.

 

وقدم العمل مساء اليوم الأحد بقاعة الفن الرابع بالعاصمة، ضمن المسابقة الرسمية للدورة الرابعة للمهرجان الوطني "مواسم الإبداع"، بمشاركة الممثلتين صافية الطرابلسي وآمال البجاوي، في عرض يقوم على حوار بين شخصيتين نسائيتين تنتميان إلى جيلين مختلفين، وتجمعهما تجارب مشتركة من الألم والانتظار، رغم اختلاف طريقة تعاملهما مع الحياة ومصاعبها.

 

واستند النص، الذي أعدته صافية الطرابلسي عن مسرحية "تصبحين على خير يا أمي" للكاتبة الأمريكية مارشا نورمان، إلى معالجة تونسية تستحضر بعض ملامح الواقع المحلي، وتربط بين التجربة الشخصية للشخصيات ومحيطها الاجتماعي، في محاولة لفهم تأثير التنشئة العائلية والظروف المحيطة في تشكيل شخصية الفرد واختياراته.

 

ويحمل عنوان المسرحية، "الصباط"، الذي يعني الحذاء في اللهجة التونسية، دلالة رمزية تتجاوز المعنى المباشر للكلمة، إذ يتحول الحذاء إلى عنصر حاضر في العلاقة بين الشخصيات، ويحيل إلى صورة الأب وسلطته داخل الأسرة، وما يرافقها من مشاعر الخوف والتوجس. ويظل هذا الرمز حاضرا في تطور الأحداث، باعتباره جزءا من الذاكرة التي تحاول الشخصيات استعادتها وفهم تأثيرها في حياتها.

 

وتتوزع أحداث العمل على فترة زمنية تمتد من تسعينات القرن الماضي إلى الحاضر، بما يسمح باستحضار التحولات التي عرفها المجتمع التونسي وانعكاساتها على الأفراد والعائلات،  وخاصة على جيل عاش تجارب مختلفة في ظل ظروف اجتماعية وثقافية متغيرة.

 

وتتمحور الحكاية حول شخصية "أمل"، الشابة التي تتبنى أفكارا مغايرة لما نشأت عليه داخل أسرتها، وتسعى إلى التعبير عن قناعاتها والدفاع عن اختياراتها، في مقابل أمها "مبروكة" التي تمثل جيلا اعتاد التكيف مع ظروف الحياة وتجنب المواجهة. ويكشف هذا الاختلاف عن مسافة نفسية وفكرية بين الشخصيتين، لكنه يبرز أيضا حاجتهما المشتركة إلى التواصل واستعادة جوانب من علاقتهما ظلت معلقة بفعل تجارب الماضي.

 

وتبدو "مبروكة" شخصية مثقلة بسنوات من المعاناة، اعتادت تقديم التنازلات والتعامل مع الصعوبات باعتبارها جزءا من الحياة، في حين تحاول ابنتها الخروج من هذه الدائرة وبناء مسار مختلف. وبين الموقفين، تتكشف جوانب من شخصية كل منهما، وتظهر هشاشتهما الإنسانية رغم اختلاف أساليب التعبير عن الألم ومواجهته.

 

وتتخذ المواجهة بين الأم وابنتها منحى نفسيا متصاعدا، خاصة مع استعادة أحداث قديمة ومحاولة إعادة ترتيب تفاصيلها، في بناء درامي يستعين بتقنية الاسترجاع، ويجعل من الحوار وسيلة لكشف ما ظل مسكوتا عنه داخل الأسرة. كما تبرز المسرحية أثر التجارب العائلية في تكوين الشخصية، وما يمكن أن تتركه العلاقات المتوترة من انعكاسات على التوازن النفسي للفرد.

 

وعلى مستوى الأداء، قدمت صافية الطرابلسي شخصية "مبروكة" من خلال انتقالات بين حالات نفسية متعددة، جمعت فيها بين لحظات الهدوء والانكسار والانفعال، فيما جسدت آمال البجاوي شخصية "أمل" التي تتأرجح بين الرغبة في الاستقلال والتأثر العميق بتجاربها السابقة، مقدمة صورة لشابة تبحث عن ذاتها وعن الحرية في اختياراتها داخل محيطها العائلي والاجتماعي.

 

واعتمد منير العرقي في بناء الفضاء الركحي على عناصر محدودة، تتمثل في طاولة وكرسي وفانوس صغير، تتغير وظائفها وفق تطور المشاهد، فتتحول من عناصر أثاث عادية إلى مكونات ذات دلالات مختلفة داخل الحكاية. ويمنح هذا الاختيار مساحة أكبر لحركة الممثلين وللتعبير الجسدي،  كما يوجه اهتمام المتفرج إلى التحولات التي تعيشها الشخصيتان.

 

وساهمت الإضاءة التي صممها صبري عتروس في رسم المناخ العام للعرض، من خلال توظيف درجات خافتة تتلاءم مع طبيعة الأحداث وتغير الحالات النفسية، فيما رافقت موسيقى وضاح العوني مسار الشخصيات،  مضيفة بعدا وجدانيا إلى المشاهد، ومواكبة لحظات التوتر والهدوء والانفعال.

 

كما وظف العمل الفيديو الذي أنجزه يوسف بوعجاجة، والكوريغرافيا التي وضعها قيس بولعراس، إلى جانب الملابس التي صممتها جليلة المداني، في إطار رؤية فنية تجمع بين مختلف العناصر البصرية والحركية والموسيقية.

 

واختار فريق العمل استحضار الفنان الراحل ياسر الجرادي من خلال أغنيته "شبيك نسيتيني"، التي ارتبطت في الذاكرة الموسيقية التونسية بمعاني الحرية والكرامة، وجاء توظيفها ضمن أحد مشاهد العرض متماشيا مع تطلعات الشخصية الرئيسية ورغبتها في التعبير عن ذاتها واختياراتها.

 

"الصباط"، عمل مسرحي من إنتاج شركة فينيق طاهر ونبيل للإنتاج سنة 2026 يطرح علاقة عائلية تلامس قضايا إنسانية أوسع، من خلال مساءلة العلاقة بين الأجيال، وتأثير الذاكرة في الحاضر، وصعوبة تجاوز بعض التجارب التي تظل حاضرة في حياة الإنسان حتى بعد مرور سنوات على حدوثها.

شارك:

إشترك الأن

تونس

14° - 19°
الثلاثاء21°
الأربعاء24°
& هذي غناية ليكم &
Le Club de 10h de RTCI
خوذ فرصتك
ايصال السالك
المسك وفاح
ملفات تربوية
جسور الأمل
في خدمتكم
مدنين مباشر
فاح العنبر
الإذاعة الثقافية

الإذاعة الثقافية

ON AIR
& هذي غناية ليكم &
Le Club de 10h de RTCI
خوذ فرصتك
ايصال السالك
المسك وفاح
ملفات تربوية
جسور الأمل
في خدمتكم
مدنين مباشر
فاح العنبر