مسرحية "هروب" لمحمد البركاتي.. شخصيات معلّقة بين واقع مأزوم ومصير مجهول

 تتعدد أشكال الهروب في مسرحية "هروب" للمخرج محمد البركاتي، فكل شخصية تبحث عن مخرج من واقعها أو من مواجهة الآخر أو حتى من ذاتها، دون أن تكون على دراية بالوجهة التي تقود إليها خطاها، في رحلة تتداخل فيها العبثية بالانتظار، وتتقاطع فيها المصائر في فضاءات لا تمنح أصحابها إجابات واضحة.

وفي هذا العمل المسرحي، الذي يمتد على 72 دقيقة، وعُرض مساء الاثنين 02 نوفمبر 2026 بفضاء "التياترو"، ضمن المسابقة الرسمية للدورة الرابعة للمهرجان الوطني للمسرح التونسي «مواسم الإبداع»، ينطلق محمد البركاتي من فكرة الهروب ليفكك جملة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية، مستكشفا أشكال الهيمنة والتسلط التي تتخذ أحيانا من العلاقات العاطفية مجالا لها، ولا سيما في حالات التعلق المرضي بالشريك والرغبة في التحكم فيه. فالصراع بين الشخصيات لا يتعلق بالتحرر من سلطة الآخر فحسب، بل يتصل أيضا بمحاولة انتزاع موقع القوة وتجنب الوقوع في موقع الخاضع.

ويعتمد العرض بناء دراميا متحولا، ينتقل بالمتفرج بين مشاهد وأمكنة مختلفة، فيما يتولى الممثلون والممثلات تغيير ملابسهم وتحريك عناصر الديكور أمام الجمهور، في اختيار سينوغرافي يدمج فضاء السرد بفضاء التشخيص، ويجعل من التحولات الركحية جزءا من آلية الحكي وتطور الأحداث.

وتتنقل الشخصيات بين المستشفى ومحطة القطار ومركز الشرطة، وهي فضاءات لا تبدو مجرد أمكنة لاحتضان الأحداث، بل تحمل دلالات تتصل بالانتظار والقلق وتعليق المصائر. ففيها ينتظر الإنسان فرصة لحياة أفضل، أو مستقبلا أكثر وضوحا، أو مخرجا من وضع يثقل كاهله، وقد لا يكون الانتظار في نهاية المطاف سوى مواجهة مع قدر لا يستطيع تغييره.

في المستشفى، تنكشف حكايات شخصيات تقاطعت مساراتها مع الخيبة والفقدان؛ فمنها من دُفنت أحلامه قبل أن تتحقق، ومنها من انتهى به حلم العيش بكرامة إلى الموت مجهولا في عرض البحر، ومنها من تشبثت بالحياة قبل أن تستسلم للموت. وعلى اختلاف حكاياتها، تجمع هذه الشخصيات رابطة الانتماء إلى وطن واحد، لم تختره، لكنها وجدت نفسها مرتبطة به، دون أن تجد بالضرورة فيه ما تنشده من أمان وكرامة واعتراف.

أما في مركز الشرطة، فيبرز اختلال العلاقة بين من يمتلك سلطة رواية الأحداث ومن يجد نفسه موضع مساءلة بشأنها. إذ تتقدم رواية الباحث وتكتسب صفة الحقيقة التي لا تقبل التشكيك، في حين يتراجع صوت المبحوث إلى الهامش، فاقدا القدرة على تقديم روايته الخاصة أو التأثير في مسار الأحداث، في إحالة إلى تفاوت موازين القوة بين الطرفين.

وفي محطة القطار، يتخذ الهروب منحى آخر، إذ يبدو خيارا تفرضه الرغبة في مغادرة واقع مثقل بالتلوث وأشكال القهر والظلم، والابتعاد عن كل ما يحد من حرية الفرد ويضيّق أمامه فرص العيش بكرامة. غير أن وجهة هذا الهروب تظل مفتوحة على المجهول، مثلما تظل إمكانية الوصول إلى الخلاص موضع تساؤل.

وعلى مستوى الأداء، نجح الممثلون جميلة الجامي وأريج السباعي وسليم الذيب وآدم العماري في تجسيد شخصيات متعددة، تباينت ملامحها وسياقاتها الاجتماعية بتغير الأمكنة والمواقف، وهو ما تطلب انتقالا مستمرا بين الأدوار والحالات النفسية، وأبرز قدرتهم على تنويع أدوات التعبير والتقمص.

ومن بين المشاهد التي حملت طابعا ساخرا، خروج الممثل سليم الذيب من الشخصية الدرامية ليتحدث باسمه الحقيقي، متناولا بعض جوانب معاناة الفنان في إنجاز مشروعه الإبداعي الخاص، في ظل محدودية التمويلات وما يرافق ذلك من صعوبات وصراعات داخلية. وقد أتاح هذا المشهد للعرض أن يلامس واقع الممارسة المسرحية ذاتها، وأن يجعل من فعل التمثيل وسيلة أخرى للهروب من واقع لا يخلو بدوره من الإكراهات.

وفي ملخص العمل، يشير محمد البركاتي إلى أن "الهروب ليس دائما الخلاص، وأن الطريق إلى النجاة قد يعيدنا إلى حيث بدأنا"،  وهي الفكرة التي تختزل المفارقة الأساسية التي يقوم عليها العرض: شخصيات تسعى إلى تغيير واقعها، لكنها تظل معلقة بين الرغبة في المغادرة واستحالة ضمان وجهة أكثر أمنا.

ويذكر أن مسرحية "هروب" من إنتاج مسرح "بيكولو" ببنزرت، بدعم من وزارة الشؤون الثقافية، وقد تولى محمد البركاتي السينوغرافيا والإخراج، فيما تكفل محمد الناصر النفاتي بإعداد النص والدراماتورجيا، إلى جانب المساعدة في الإخراج.

وات

 

 


 

شارك:

إشترك الأن

تونس

13° - 20°
الأربعاء23°
الخميس22°
& هذي غناية ليكم &
Le Club de 10h de RTCI
خوذ فرصتك
خلف الصورة
اعطيني الحل
في خدمتكم
الدكانة مع ليلى بوعجيلة
مشموم الفل
الإذاعة الثقافية

الإذاعة الثقافية

ON AIR
& هذي غناية ليكم &
Le Club de 10h de RTCI
خوذ فرصتك
خلف الصورة
اعطيني الحل
في خدمتكم
الدكانة مع ليلى بوعجيلة
مشموم الفل