عبد المجيد الشرفي في "خواطر في بناء مستقبل تونس": تصورات استشرافية لمستقبل البلاد تفتح نقاشا حول التعريب والثقافة والاقتصاد

قدم المفكر والأكاديمي المختص في الحضارة الإسلامية، الدكتور عبد المجيد الشرفي، مساء الجمعة 16 أكتوبر 2026، أحدث إصداراته "خواطر في بناء مستقبل تونس"، الصادر ضمن سلسلة "الآن وهنا"، في لقاء احتضنته مكتبة الكتاب بالعاصمة، وشهد نقاشا حول عدد من القضايا التي تشغل حاضر تونس ومستقبلها.
وتضمن اللقاء تقديم قراءتين للكتاب، قدمتهما أستاذة دراسات الحضارة والنوع الاجتماعي بكلية الآداب بمنوبة آمال قرامي، والصحفي والكاتب زياد كريشان. وتناولت قرامي المؤلف من زاوية جنس الكتابة وما يحمله من دلالات لغوية ونظرية، بينما ركز كريشان على أبرز الأفكار التي طرحها الشرفي في مجالات التربية والتعليم والثقافة والاقتصاد والسياسة والعلاقات الخارجية، في قراءة راوحت بين العرض والنقد والتساؤل.
ويضم الكتاب، الصادر في أكثر من 120 صفحة، جملة من التصورات والأفكار التي يقترحها الشرفي بشأن مستقبل تونس، انطلاقا من جملة من القضايا التي يرى أنها تستحق النقاش وإعادة النظر، في مجالات متعددة من الحياة العامة.
وفي تقديمه للكتاب، أعرب عبد المجيد الشرفي عن أمله في أن تتجاوز القضايا التي أثارها مؤلفه حدود هذا اللقاء إلى فضاءات أوسع للنقاش، مؤكدا إيمانه بأهمية الكتابة والحوار في مختلف المجالات.
وأوضح أنه كتب هذا المؤلف خلال صائفة 2025، بهدف إثارة عدد من الإشكاليات والقضايا التي تعيشها تونس، والتي لا تزال محل اختلاف بين النخب. وقال إنه وضع أفكاره "على محك النقد"، انطلاقا من قناعته بأن الحلول لا تتبلور إلا من خلال مقارعة الآراء ومواجهة الأفكار بعضها ببعض، بما يمكن أن يفتح المجال أمام ديناميكية فكرية واجتماعية جديدة.
الكتاب بين الخاطرة والاستشراف
وفي قراءتها للكتاب، اعتبرت آمال قرامي أنه ينتمي إلى جنس "الخاطرة"، باعتباره يضم تأملات شخصية للشرفي بشأن تونس ومختلف القطاعات التي تتصل بمستقبلها. ولاحظت أن هذا الكتاب يختلف عن جانب من المؤلفات التي تنتجها النخب عادة، إذ لا يكتفي بطرح الأسئلة أو تحفيز القارئ على التفكير، بل يتقدم باقتراحات وحلول وبدائل لبعض القضايا، انطلاقا من رؤية المؤلف الخاصة.
وترى قرامي أن الشرفي يقدم من خلال مؤلفه تصورا استشرافيا لمستقبل تونس، مستندا إلى مسيرته وتجربته وما راكمه من معرفة وخبرة، فضلا عن المواقع والمسؤوليات التي اضطلع بها والسياقات التاريخية والاجتماعية التي عايشها، وهي عناصر اعتبرتها مكوّنة لرؤية خاصة بشأن "تونس الغد".
وفي مقابل النزوع إلى استعادة الماضي أو الحنين إليه، يرفض الشرفي، وفق قرامي، فكرة "القفز إلى الوراء"، ويرى فيها مسارا هداما، كما لا يكتفي بالنظر إلى الحاضر من زاوية النقد المتواصل. ومن هنا، يختار الاستشراف، ويفتح المجال أمام تصور بدائل وحلول للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من القضايا التي تواجه البلاد.
غير أن هذا التصور، وفق القراءة التي قدمتها قرامي، يظل مفتوحا من حيث الإطار الزمني الذي يفترض أن يتحقق خلاله، كما لا يحدد بصورة دقيقة الفاعلين الاجتماعيين القادرين على تحويل هذه التصورات إلى واقع، وهو ما يمثل، في نظرها، إحدى النقاط التي تستحق مزيدا من النقاش.
تونس التي ينشدها الشرفي
من جانبه، توقف زياد كريشان عند جملة من القضايا التي يتناولها الكتاب، معتبرا أن المؤلف يتراوح بين الاستشراف والتأملات الشخصية، ويرسم من خلالهما صورة لتونس التي ينشدها صاحبه.
وفي مجال التربية والتعليم، أشار إلى أن الشرفي يدعو إلى التعريب التام، ودعم التعليم العمومي، والتخلي عن الدروس الخصوصية، وهي مقترحات اعتبرها كريشان طبيعية في السياق الذي تعيشه المنظومة التعليمية حاليا.
أما في المجال الثقافي، فيطرح الشرفي، وفق قراءة كريشان، تصورا ينسجم مع ما وصفه بالرؤية البورقيبية، القائمة على اعتبار الثقافة الراقية حقا للتونسي، وعلى توفير محتوى ثقافي ذي قيمة فكرية وروحية، بعيدا عما يصفه المؤلف بـ"الرذائل والرأسمالية المتوحشة" و"الإعلام التافه".
اقتصاديا، يقوم التصور الذي يقدمه الشرفي على حرية المبادرة مقرونة بتوزيع عادل للثروات، بما يسمح، وفق رؤيته، بتحقيق قدر أكبر من الرفاه الجماعي، وتحويل تونس إلى بلد مصدر يتمتع بفائض تجاري، إلى جانب العمل على الترفيع في قيمة الدينار.
ويتطرق الكتاب أيضا إلى العلاقة بين الدين والسلطة، فضلا عن جملة من المسائل المتصلة بالحياة العامة وبمستقبل البلاد وعلاقاتها الخارجية.
التعريب… قضية "مصير وطني"
واستألت مسألة التعريب حيزا بارزا من النقاش الذي أعقب تقديم الكتاب، حيث أوضح عبد المجيد الشرفي أن هذه القضية لم تعد تحتمل مزيدا من التأجيل، معتبرا إياها "قضية مصير وطني".
ويرى الشرفي أن التلميذ لا يستوعب المعرفة ولا يكون مبدعا إلا من خلال لغته، معتبرا أن الازدواجية اللغوية والفكرية التي تطبع المجتمع التونسي أفضت إلى ما وصفه بـ"الترميق"(bricolage)، بما يشكل، في تقديره، عائقا أمام الإبداع.
وأثار هذا الطرح نقاشا بين الحاضرين، انقسمت خلاله الآراء بين من اعتبر التعريب خيارا ضروريا لاستعادة الانسجام داخل المنظومة التعليمية، ومن رأى فيه توجها قد يقود إلى نوع من الانغلاق اللغوي والثقافي.
واستحضر بعض المتدخلين تجارب دول حافظت على لغاتها الأصلية في مختلف مراحل التعليم، مع اعتماد الترجمة لنقل المعارف العلمية، مستشهدين خصوصا بالتجربة اليابانية، فيما اعتبر آخرون أن الدعوة إلى التعريب، بصيغتها المطروحة، قد تنطوي على نزعة نحو الانغلاق.
وتفاعل الشرفي مع هذه المداخلات بالتأكيد على أنه لا يدعو إلى التخلي عن تعلم اللغات الأجنبية، بل يشجع على تعلمها، وخاصة اللغة الإنجليزية، على أن تأتي في مرتبة ثانية بعد العربية. وأوضح أن ما يدعو إلى تغييره هو اعتماد الفرنسية لغة لتدريس العلوم وغيرها من الاختصاصات، عوضا عن العربية.
ولم يقتصر النقاش على قضايا التعليم واللغة، بل شمل أيضا علاقة الكاتب بالتحولات التي فرضتها الشبكات الاجتماعية، ومدى مواكبته للتحول الرقمي المتسارع، وخاصة في ظل الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وما تطرحه من أسئلة جديدة بشأن المعرفة والثقافة والمجتمع.
عبد المجيد الشرفي ومسيرة فكرية
ويعد عبد المجيد الشرفي مفكرا وأكاديميا تونسيا مختصا في الحضارة العربية والفكر الإسلامي، وقد تولى تدريس الحضارة العربية والفكر الإسلامي بعدد من الجامعات التونسية، كما شغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس بين سنتي 1983 و1986.
وترأس الشرفي المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة" بين سنتي 2016 و2021، كما تولى رئاسة كرسي اليونسكو للأديان المقارنة بين سنتي 1999 و2003. ويعد من أبرز المفكرين التونسيين الذين اشتغلوا على قضايا تحديث الفكر الإسلامي وقراءته في ضوء التحولات التاريخية والاجتماعية المعاصرة.
وأصدر الشرفي عددا من المؤلفات، ترجمت بعض أعماله إلى لغات عدة، من بينها "الفكر الإسلامي في الرد على النصارى" (1986)، و"الإسلام والحداثة" (1990)، و"تحديث الفكر الإسلامي" (1998)، و"الإسلام بين الرسالة والتاريخ" (2001)، و"مرجعيات الإسلام السياسي" (2014)، فضلا عن إشرافه العلمي على الموسوعة الجماعية "المصحف وقراءاته"، الصادرة في خمسة مجلدات عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود سنة 2016.
وكرّم الشرفي في مناسبات عدة، من بينها إصدار مجمع بيت الحكمة سنة 2025 مؤلفا جماعيا يوثق مسيرته الفكرية بعنوان "في رهانات التحديث"، بإشراف الأستاذ المنصف بن عبد الجليل.
وات




20° - 27°




