موقع حيدرة الأثري: شاهد خالد على تعاقب الحضارات

يُعدّ موقع حيدرة من أبرز المواقع الأثرية في الغرب التونسي، ومن أغنى الشواهد المادية التي تختزل تعاقب الحضارات على أرض تونس. فقد مثّلت هذه المدينة، المعروفة قديمًا باسم أميدارة، نقطة استراتيجية هامة منذ العهد النوميدي، ثم تحوّلت في الفترة الرومانية إلى مركز عسكري وحضري فاعل، قبل أن تواصل إشعاعها خلال العصر البيزنطي.
ويزخر الموقع بعدد من المعالم الأثرية البارزة، لعلّ أهمها قوس النصر الذي لا يزال شامخًا، معبّرًا عن قوة الدولة الرومانية وازدهار عمرانها، إلى جانب بقايا الأسوار والمنشآت المدنية التي تكشف عن دقّة التخطيط العمراني وأهميّة الموقع الدفاعية والاقتصادية.
كما تحتضن حيدرة واحدة من أهم الكنائس المسيحية المبكرة في تونس، وهي كنيسة ذات قيمة تاريخية وروحية استثنائية، تجسّد مرحلة التحوّل الديني والفكري في شمال إفريقيا، وتُبرز الدور الذي لعبته المدينة في انتشار المسيحية خلال العصر البيزنطي.
وتتجلّى القيم الفنية للموقع في روائع الفسيفساء المكتشفة، والتي تُعد من أبدع ما وصلنا من تلك الحقب، سواء من حيث دقّة التنفيذ أو ثراء الألوان والرموز. وقد تنوّعت مواضيعها بين الزخارف الهندسية والنباتية والمشاهد ذات الدلالات الدينية، مما يجعلها مصدرًا معرفيًا وجماليًا لفهم الذوق الفني وأنماط العيش في تلك الفترات التاريخية.
إنّ موقع حيدرة الأثري ليس مجرد بقايا عمرانية، بل هو ذاكرة حيّة تختزن تاريخ الإنسان في سعيه إلى البناء والتنظيم والإيمان، ورافد أساسي من روافد الذاكرة الوطنية، يستوجب مزيد العناية والتثمين، حتى يظل فضاءً مفتوحًا للبحث العلمي ووجهة ثقافية وسياحية تُبرز عمق الحضارة التونسية وامتدادها عبر العصور.




9° - 21°







