سليانة: "المرمز"..موروث غذائي تصونه النساء وتبشّر رائحته بقرب شهر الصيام

على تخوم جبل اللشيهب من معتمدية الكريب بولاية سليانة، تفوح رائحة الأرض والسنابل فتعمّ الأرجاء ممتزجة برائحة الإكليل والزعتر الغابي وتدعوك لاكتشاف مصدرها، فإذا هو حوش أحد المنازل التي يخيّم عليها السكون، فلا يقطعه سوى صوت الرحى في إيقاع منتظم لحفيف دائري تحتك فيه حجارة الطاحونة بحبات الشعير.
فوق بساط "المرقوم" تدوّر زينة النفاتي(71 سنة) الرحى ببطء فتنساب بين حجارتها حبوب الشعير متحوّلةإلى حبات بنية اللون متناسقة ومتساوية الحجم تُعرف بـ"المرمز"، وهو منتوج غذائي طبيعي تقليدي مازالت أغلب العائلات التونسية تحرص على إعداده رغم التغيرات المناخية، باعتباره المكوّن الأساسي لشربة الشعير التي كانت ومازالت الطبق الأهمّ على طاولات جلّ العائلات التونسية خلال شهر رمضان المعظّم.
تستقبلك زينة مستبشرة مهلّلة بيديها المتشققتين، وهي تعدّل غطاء رأسها المميّز، "فولارة" حمراء تزيّنها أزهار صغيرة ترتديها نساء المناطق الريفية في الأفراح والأحزان، بينما تروي تجاعيد وجهها قصة تفان و إخلاص في إعداد "المرمز" أو كما يطلق عليه " شربة الشعير" منذ أكثر من 50 سنة، ويتحدّث لسانها بشغف عن مراحل إعدادها مؤكدة أنّها مهمة صعبة وقليلات هن من حافظن على هذه العادة في ظل التغيرات المناخية.
تقول زينة في حديثها لصحفية وكالة تونس إفريقيا للأنباء أنّ رحلتها السنوية مع إعداد "المرمز" تبدأ بقطف الشعير اللين"الفريك" من الحقول يدويا بواسطة المنجل أو بواسطة الآلة الحاصدة، ثم ضربه بواسطة عصى على سطح صلب، وتنظيفه من الشوائب وتخبئته، على أن يتم استكمال بقية المراحل قبل شهر رمضان بأيام.
وأشارت إلى أن عملية القطف خلال هذه السنة كانت متأخرة بسبب صعوبة الولوج إلى الحقول، نتيجة كثرة التساقطات والتي كانت شحيحة خلال سنوات الجفاف المنقضية، فغاب القطف تماما عن الحقول وغاب معه الطبق الرئيسي عن موائد عدد هام من العائلات.
تواصل المرأة السبعينية إعداد المرمز،مردّدة بين الفينة والأخرى أهازيج بدوية عذبة تقطعها لتتحدّث عن مراحل الإعداد، فتوضح أنها تضع الفريك على البخار في إناء كبير، ثم تجففه في الهواء الطلق على قطع قماش بيضاء، وتنظفه للمرة الثانية، ثم تقليه في وعاء فخاري كبير، لتضعه لاحقا في الرحى لطحنه ،ثم تغربله وتصفيته للمرة الثالثة وتنظفه، على أن يقدم لاحقا للأهالي والأقارب كهدية مميّزة قبل شهر الصيام.
تهزّ زينة جبينها و تحرّك رأسها، في حركة تترجم صعوبة هذه المراحل، وتفسّر ارتفاع سعر الكغ الواحد من "المرمز" هذه السنة إلى 25 دينار، مؤكدة أنّ هذا السعر مرشّح ،وفق تصوّرها،للارتفاع خلال السنوات القادمة، سيما وأنّ الجيل الجديد من النساء لا يحترفن إعداد "المرمز"، ويلجأن إلى والداتهن أو جداتهن اللاتي توارثن بدورهن هذه العادة القديمة عن جدّاتهن إلا أنهن مازلن يحافظن عليها.




8° - 21°





