تظاهرة "مهندسون مبدعون"... حين تلتقي دقة الهندسة برحابة الخيال الفني

بين دقة الحسابات الهندسية ورحابة الخيال الفني، تبرز تظاهرة "مهندسون مبدعون" وجها آخر للمهندس التونسي، من خلال الاحتفاء بمواهبه في مجالات الفن والأدب والموسيقى والمسرح والرسم والإنشاد الصوفي، وإتاحة فضاء للتعريف بتجارب تثري المشهد الثقافي، وتؤكد أن الإبداع لا تحدّه الاختصاصات.
وتندرج هذه المبادرة، التي انتظمت اليوم السبت بمقر عمادة المهندسين التونسيين، في إطار توسيع آفاق العمل الهندسي والانفتاح على المجالات الفنية والثقافية، بما يتيح إبراز الطاقات الإبداعية الكامنة لدى المهندسين، ويكرّس تصورا أكثر شمولية لهذه المهنة، لا يختزل دور المهندس في الأرقام والتصاميم والحسابات التقنية، بل ينظر إليه باعتباره صاحب فكر متجدد وخيال خصب وقدرة على الابتكار والتعبير في مجالات متعددة.
كما تسعى التظاهرة إلى كسر الحواجز التقليدية بين الاختصاصات العلمية والفنون، وإبراز ما يجمع بينها من مقومات أساسية، في مقدمتها الخيال والبحث عن الجمال والابتكار والقدرة على تحويل الأفكار إلى منجزات ملموسة. فمثلما تستند الهندسة إلى الدقة والمنطق في بناء المشاريع وتطوير الحلول، تستمد الفنون قوتها من الخيال والابتكار والتجريب، بما يجعل التفاعل بين المجالين فرصة لإثراء التجربة المهنية والإنسانية للمهندس.
ولا يقتصر الرهان على التعريف بمواهب المهندسين وإتاحة الفرصة أمامهم لعرض أعمالهم، بل يمتد إلى توفير فضاء للتلاقي وتبادل التجارب والخبرات وتشجيع أصحاب المواهب، ولا سيما الذين يمارسون الفنون إلى جانب مسؤولياتهم المهنية، على مواصلة مساراتهم الإبداعية وتطوير قدراتهم، بما يعزز التوازن بين متطلبات العمل وتطلعاتهم الشخصية والثقافية.
وتعكس هذه الفعالية توجها نحو ترسيخ دور عمادة المهندسين التونسيين باعتبارها فضاء جامعا لا يقتصر على الدفاع عن الحقوق المهنية والمادية لمنظوريها، بل يمتد إلى احتضان مبادراتهم الثقافية والإبداعية وتعزيز انفتاح الأسرة الهندسية على المجتمع، بما يسهم في إبراز تعدد كفاءات المهندس التونسي وقدرته على الإسهام في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وفي هذا السياق، أكد عميد المهندسين التونسيين، محسن الغرسي، أهمية الاحتفاء بالمهندس المبدع في مختلف المجالات، من الفن التشكيلي والأدب إلى الموسيقى والمسرح والرسم والإنشاد الصوفي، مشيرا إلى أن عددا من المهندسين التونسيين تمكنوا من تحقيق النجاح في هذه المجالات، بما يستوجب تشجيعهم وإتاحة الفرصة أمامهم للتعريف بتجاربهم وإبداعاتهم.
وأوضح الغرسي أن الغاية من هذه الفعالية تتمثل في القطع مع التصور الذي يحصر المهندس في الحسابات والمشاريع والتقنيات، وإبراز ما يمتلكه من حس إبداعي وثقافي ومواهب تستحق التشجيع وإتاحة الفرصة أمامها للظهور، مضيفا أن الهندسة والفن يلتقيان في جوهرهما القائم على الخيال والإبداع والقدرة على تحويل الأفكار إلى واقع وابتكار حلول جديدة.
وشدد على أن عمادة المهندسين التونسيين ليست مجرد هيكل للدفاع عن الحقوق المهنية والمادية، بل هي أيضا فضاء يجمع الأسرة الهندسية ويشجع المواهب والإبداع والانفتاح على المجتمع، معتبرا أن "الهندسة تبني الأوطان والفن يمنحها روحها"، وأن تونس في حاجة إلى مهندس يجمع بين العقل المبدع والروح المتذوقة للجمال.
ووجه عميد المهندسين التونسيين، في هذا السياق، رسالة إلى الشباب الهندسي دعاهم فيها إلى عدم حصر أنفسهم في الاختصاصات والشهادات، وإلى إطلاق العنان لمواهبهم وتطوير قدراتهم في مختلف المجالات، مؤكدا أن تونس تحتاج إلى مهندسين أكفاء يمتلكون الطموح وروح المبادرة والقدرة على التجديد والابتكار.
من جانبه، أبرز المهندس العام بوزارة التجهيز وكاتب عام الهيئة القطاعية للتجهيز والبيئة بعمادة المهندسين التونسيين، محمد العياري، أهمية هذه المبادرة، خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى الإبداع الهندسي والتفكير خارج الأطر التقليدية، معتبرا أن الابتكار لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة التحديات والمشكلات التي يواجهها المهندس، بما يستوجب البحث عن حلول عملية ومتجددة.
وكشف العياري عن إحداث فوج كشفي يحمل اسم "فوج مهندسون"، يهدف إلى تنمية الحس الإبداعي لدى الأطفال والناشئة وترسيخ التفكير الهندسي لديهم منذ الصغر، بما يسهم في تكريس الهندسة باعتبارها عقلية ومنهج تفكير قبل أن تكون شهادة أو اختصاصا أكاديميا.
من جهته، أكد رئيس مكتب الخدمات الهندسية بعمادة المهندسين التونسيين، عمار التيلومي، أن المهندس قادر على التميز في مجالات متعددة وتطوير خبراته بما يتيح له توسيع آفاقه المهنية والانفتاح على اختصاصات أخرى. واستعرض في هذا الصدد تجربته التي تجمع بين عمله بوزارة الفلاحة واهتمامه بعلم النباتات وتخصصه في طب النباتات، إلى جانب نشاطه مستشارا بيئيا وخبيرا عدليا لدى المحاكم في الاختصاص الفلاحي.
ودعا التيلومي المهندسين الشباب إلى عدم الاكتفاء بشهاداتهم العلمية، بل مواصلة التعلم وتطوير قدراتهم واكتساب مهارات جديدة، بما يتيح لهم تنويع تجاربهم المهنية وتغيير مساراتهم والانخراط في مجالات مختلفة دون الاقتصار على اختصاصاتهم الأصلية.
واستعرضت المهندسة آمنة بن إبراهيم تجربتها مع الفن، وتحديدا الرسم، الذي وصفته بأنه ملاذ يتيح لها تجديد ذاتها وتحقيق التوازن النفسي، بالتوازي مع مهنتها الهندسية التي تستنزف جانبا مهما من وقتها وجهدها.
وقالت إن الرسم أتاح لها مساحة للتعبير عن ذاتها والتخفف من ضغوط العمل، وساهم في تحقيق التوازن بين التزاماتها المهنية وشغفها الفني.
واعتبرت بن إبراهيم أن مثل هذه التظاهرات من شأنها تسليط الضوء على المهندسين المبدعين ودعم نجاحاتهم، خاصة أولئك الذين يمارسون الفنون كهواية موازية لنشاطهم المهني، فضلا عن توفير فضاء للتعريف بأعمالهم ومجالات نشاطهم، والتلاقي وتبادل التجارب والخبرات.
من جهته، أعرب المهندس محمد أمين قريشي عن أمله في أن تصبح تظاهرة «مهندسون مبدعون» موعدا دوريا، مع إرساء جانب تنافسي يتضمن مسابقات فنية وإبداعية من شأنها تعزيز روح المبادرة وتحفيز المهندسين على إبراز مواهبهم وصقل قدراتهم.
وات




17° - 24°



