جامعيون ونقاد يبحثون تحولات الرواية التونسية بعد الثورة وطرق كتابة الواقع

شكّلت التحولات التي طرأت على الرواية التونسية بعد الثورة، وعلاقتها بكتابة الواقع وتطور أشكال السرد، محور يوم دراسي انتظم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، بمشاركة عدد من الجامعيين والنقاد المختصين في الأدب والنقد.

وأوضح منسق اللقاء الدكتور علي العمري أن هذا اليوم الدراسي يندرج ضمن محاولة لقراءة الرواية التونسية في مرحلة زمنية مخصوصة، والنظر في مدى خصوصيتها وموقعها ضمن المشهد الروائي التونسي، ومدى تأثرها بالثورة وما أفرزته من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية.

وأضاف أن اللقاء يطرح أيضا مسألة علاقة الرواية بالواقع، باعتبارها من الأشكال الأدبية الأكثر التصاقا به، وذلك من خلال التساؤل حول مدى قدرة الكتابة الروائية على مواكبة التحولات التي عرفها المجتمع التونسي بعد الثورة، وما إذا كانت هذه المرحلة قد دفعت الكتاب إلى البحث عن أشكال سردية جديدة.

وبيّن أن تنظيم مثل هذه اللقاءات داخل الجامعة حول قضايا تهم المشهد الثقافي التونسي يندرج ضمن محاولة لإعادة وصل الجامعة بالإنتاج الأدبي والثقافي، في ظل الانتقادات التي توجه إليها أحيانا باعتبارها بعيدة عن الساحة الثقافية. وأشار في هذا السياق إلى تضاعف الإنتاج الروائي في تونس وظهور تجارب وكتابات جديدة تستحق الدراسة والبحث، ولا سيما من خلال التساؤل: "هل بحثت الكتابة عن أشكال جديدة بعد الثورة؟"

وانقسمت أشغال اليوم الدراسي، الذي نظمه مخبر "نحو الخطاب وبلاغة التداول" بالكلية، بإشراف الدكتور توفيق العلوي، إلى جلستين، خُصصت الأولى لمداخلات الجامعيين المختصين في الأدب والنقد شفيع بالزين وأحمد القاسمي ونور الدين بنخود.

وتناولت المداخلات تحولات الرواية التونسية بعد الثورة من خلال نماذج روائية تناولت قضايا برزت في سياق التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها تونس، من بينها روايتا "شط الأرواح" و"مدينة الأنصاف السفلى" لآمنة الرميلي، ورواية "طوفان من الحلوى في معبد الجماجم" لأم الزين بن شيخة.

وفي مداخلته بعنوان "تسريد العجيب وتعجيب السرد في الرواية التونسية ما بعد الثورة"، تناول شفيع بالزين التحولات التي عرفتها الكتابة السردية، ومدى قدرتها على تمثّل واقع متغير يستدعي آليات وأساليب جديدة في الكتابة، مركزا على حضور العجائبي في السرد من خلال عناصر الشخصيات والأمكنة والأزمنة.

وفي تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، قال شفيع بالزين إن الرواية التونسية بعد الثورة شهدت تحولات يمكن رصدها، وفق تقديره، في ثلاثة اتجاهات رئيسية.

ويتصل الاتجاه الأول بالمواضيع والثيمات، إذ انشغلت الرواية بصورة أكبر بكتابة الواقع بشكل مباشر، من خلال أعمال تنتمي إلى الرواية الواقعية في شكلها الصريح، وتطرقت إلى قضايا من بينها الإرهاب والهجرة غير النظامية والفساد وتهميش المثقف والصراعات السياسية وغيرها. واعتبر أن هذا الاتجاه كان الأكثر حضورا في الرواية التونسية بعد الثورة.

أما الاتجاه الثاني، فيرتبط بمفهوم الهوية التونسية، من خلال عودة عدد من الروايات إلى مراحل أبعد في تاريخ المجتمع التونسي، ومحاولة الإجابة عن أسئلة من قبيل: "من نحن؟ وما هويتنا؟ وما تاريخنا؟ وما علاقتنا بالآخر؟"، مستشهدا في هذا السياق بتجارب روائية لكل من محمد عيسى المؤدب وأميرة غنيم.

ويتعلق الاتجاه الثالث، وفق بالزين، بالاشتغال على الشكل وجماليات الكتابة، حيث ظهرت، بحسب تقديره، أشكال سردية جديدة من بينها الرواية العجائبية التي تتميز، في التجربة التونسية، بخصوصية تتمثل في توظيف العجائبي ليس بوصفه مجرد نمط روائي، وإنما باعتباره وسيلة لمعالجة الواقع بصورة غير مباشرة.

وأشار إلى أن عددا من الأعمال الروائية، من بينها أعمال آمنة الرميلي وأم الزين بن شيخة وأمينة زريق، اختارت هذا الشكل من الكتابة باعتبار أن الواقع بلغ، في بعض تجلياته، درجة من التعقيد والكارثية تجعل تمثيله بالأساليب الواقعية المباشرة أمرا غير كاف. واعتبر أن خصوصية هذا النمط تكمن في العلاقة الوثيقة بين الشكل والمضمون، إذ إن واقعا عجائبيا، وفق هذا التصور، يستدعي بالضرورة شكلا سرديا قادرا على احتوائه.

من جهته، تناول أحمد القاسمي في مداخلته "رواية الضغينة ساحة لصراع الفن والإيديولوجيا" رواية "مدينة الأنصاف السفلى" لآمنة الرميلي، مصنفا إياها ضمن ما سماه "مدرسة الضغينة"، ومركزا على حضور البعد الإيديولوجي في العمل الروائي.

واعتبر القاسمي أن سياق ما بعد الثورة اتسم، في جانب منه، بما وصفه بالانفلات، وهو ما انعكس أيضا على بعض الكتابات الأدبية التي تناولت أحداثا وتحولات عاشتها تونس خلال هذه المرحلة. وقال إن "الأدب أيضا منفلت"، منتقدا ما اعتبره تلقي بعض النصوص والحكم عليها من منطلقات إيديولوجية أكثر منها جمالية وفنية.

واختار نور الدين بنخود في مداخلته "السرد والصحراء في مدونة نصر بالحاج الطيب الروائية" مقاربة مختلفة، ركز فيها على تجربة هذا الكاتب ومساره في الكتابة السردية منذ سنة 2002، وما راكمه من أعمال حازت عددا من الجوائز.

 

وتوقف بنخود عند ما اعتبرها "ثلاثية الصحراء" في أعمال نصر بالحاج الطيب، وتضم روايات "تمبايين" (2022) و"بير عوين" (2024) و"سيف الصوان" (2026)، وهي الرواية التي حازت جائزة الكومار للرواية لسنة 2026.

وأشار إلى أن هذه الأعمال تقدم الصحراء باعتبارها فضاء يحتضن عوالم من التاريخ الاجتماعي والثقافي، بما يجعلها مادة سردية غنية، غير أنها ظلت، وفق تقديره، بمثابة عوالم وكنوز لم تحظ بعد بما يكفي من الدراسة والبحث، معتبرا أن اهتمام الكاتب بالصحراء يمثل إضافة إلى السرد التونسي والعربي.

وبيّن أن روايات نصر بالحاج الطيب لا تكتفي باستعادة جوانب من التاريخ الثقافي والاجتماعي للصحراء، وإنما تستحضر أيضا جانبا من تاريخ تونس وصراعها مع الاستعمار الفرنسي.

وقارن بنخود بين المتخيل الروائي لنصر بالحاج الطيب وأعمال الكاتب الليبي إبراهيم الكوني، ولاحظ تقاطعا بين التجربتين في تناول علاقة الإنسان بالطبيعة والحيوان بوصفه “رفيقه على الأرض”، رابطا هذا الحضور بما تضمنه الشعر العربي من نصوص احتفت بالحيوان.

كما أشار إلى أن أعمال بالحاج الطيب تتناول، إلى جانب علاقة الإنسان بالطبيعة، صراع الإنسان مع الإنسان من أجل القوت والحرية، بما يجعل الصحراء في أعماله فضاء تتقاطع فيه الذاكرة والتاريخ والصراع الإنساني.

شارك:

إشترك الأن

تونس

18° - 25°
الجمعة26°
السبت23°
& هذي غناية ليكم &
Le Club de 10h de RTCI
المشهد الثقافي
.موش عادي
في المجتمع
صوت الناس
المشهد الثقافي

المشهد الثقافي

10:00 - 12:00

ON AIR
& هذي غناية ليكم &
Le Club de 10h de RTCI
المشهد الثقافي
.موش عادي
في المجتمع
صوت الناس