"بكمة".. عبد الحميد بوشناق يواجه العنف بالعنف ويحوّل الرعب إلى سؤال عن الإنسان والضحية والجلاد

بين الرعب النفسي والمشهدية الدموية، وبين جريمة تبدو في ظاهرها لغزا جنائيا وتخفي في أعماقها أسئلة عن العنف الإنساني، قدم المخرج التونسي عبد الحميد بوشناق فيلمه الجديد "بكمة" في تجربة سينمائية اختار أن تكون صادمة بصريا وفكريا، وأن تجعل من العنف موضوعا للمساءلة لا مجرد أداة للإثارة، وفق تصريح المخرج لوكالة تونس افريقيا للأنباء.

 

وشهد العرض ما قبل الأول للفيلم، مساء الخميس 15 أكتوبر 2026 بقاعة الاوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، حضور عدد هام من الوجوه الفنية والسينمائية ونجوم التمثيل، في انتظار انطلاق عرضه في قاعات السينما التونسية يوم 21 أكتوبر الجاري.

 

ومنذ المشاهد الأولى، يضع "بكمة" المتفرج في مواجهة عالم قاتم لا يترك مساحة كبيرة للطمأنينة. فالعمل يتضمن مشاهد عنف قاسية وعمليات قتل مروّعة، إلى جانب مشاهد لتقطيع أعضاء بشرية وتشويه الجثث، وهي اختيارات بصرية متعمدة قال بوشناق إنها جاءت في سياق رؤيته الخاصة لمقاربة ظاهرة العنف.

 

وبين المخرج في تصريحه لـ"وات"، أنه تعمّد أن تكون مشاهد العنف صادمة، انطلاقا من قناعة مفادها أن مواجهة العنف لا يمكن أن تتم دائما عبر الخطابات التوعوية الخفيفة، بل قد تستدعي، في بعض الحالات، وضع المتلقي مباشرة أمام بشاعة الظاهرة حتى يدرك حجمها وقسوتها.

 

ولا يتعامل الفيلم مع العنف بوصفه فعلا معزولا يرتكبه شخص مختل، وإنما يحاول تتبع جذوره الأولى وكيف يمكن للأذى المتكرر أن يتحول، بمرور الوقت، إلى سلوك مدمر. ومن هذه الزاوية، تصبح الجريمة في "بكمة" نتيجة لمسار طويل من الإيذاء، أكثر منها حادثة منفصلة عن سياقها الإنساني والنفسي.

 

من قنص الكلاب إلى جريمة الإنسان

 

تنطلق الفكرة الأساسية للفيلم، وفق المخرج، من مشهد مألوف في الحياة اليومية، هو عمليات قنص الكلاب السائبة والتخلص منها. غير أن بوشناق يقلب زاوية النظر، فيرى في الكلب الذي يقتل بهذه الطريقة كائنا يقع ضحية عنف بشري، ويضع فعل قتله في سياق إزهاق روح يتم أحيانًا ببرودة شديدة.

 

ومن هنا جاء عنوان الفيلم "بكمة"، الذي لا يحيل فقط إلى الحيوان، وإنما يتحول إلى علامة رمزية داخل الحكاية، ترتبط بالشخصية الرئيسية وبعلاقتها بالعنف والنبذ والإقصاء.

 

فالشخصية المحورية، ياسين، هي شخصية صمّاء وليست بكماء، وقد اختار المخرج هذا المعطى لخلق تماه رمزي بين الإنسان الذي حرم من وسيلة أساسية للتواصل مع محيطه، والكلب الذي وجد نفسه بدوره في موقع الضعف أمام عنف الإنسان.

 

ويصبح الصمت في حالة ياسين أكثر من مجرد خاصية للشخصية، فهو يعكس أيضا عزلة داخلية تشكلت منذ الطفولة. فقد عاش منذ سنواته الأولى أشكالا مختلفة من الإيذاء داخل محيطه الأسري والاجتماعي، وكانت والدته من أوائل مصادر العنف الذي تعرض له، إذ كانت تشتمه وتصفه بصفات تحط من قيمته، وتعمد إلى معاملته بطريقة مهينة، بما في ذلك وضعه في زاوية وتقديم الطعام له كما يقدم للحيوانات.

 

ولم تتوقف معاناته عند حدود الأسرة، إذ كان التنمر الذي تعرض له من أقرانه، وما رافقه من عبارات قاسية تمس كرامته وإنسانيته، عاملا آخر في تعميق شعوره بالعزلة والرفض.

 

وهكذا تتراكم الإساءات في وجدان الطفل، فتتحول مع مرور السنوات إلى جرح نفسي عميق، ثم إلى غضب ونقمة على العالم من حوله. ويضع الفيلم هذه الشخصية أمام مسار شديد القتامة، يتحول فيه من موقع من يتلقى العنف إلى شخص يمارسه بأقصى درجات الوحشية.

 

ولا يقدم بوشناق هذه الخلفية لتبرير أفعال ياسين، وإنما ليطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا حول مسؤولية البيئة التي تصنع العنف، وحول الحدود الفاصلة بين الضحية والجلاد عندما يتحول الألم غير المعالج إلى رغبة في الانتقام.

ليلة واحدة تفتح أبواب جريمة غامضة

 

يأخذ الفيلم المتفرج إلى مدينة تونسية صغيرة، تبدو هادئة في ظاهرها، قبل أن تنقلب أجواؤها خلال ليلة شتوية ممطرة إلى مسرح لجريمة غير مسبوقة.

 

ويبدأ خيط الحكاية عندما يجد المحققان علي منصور وخالد نفسيهما أمام مسرح جريمة يكتنفه الغموض، حيث تقودهما المعاينة الأولى إلى جثة تعرضت لتشويه وحشي، في مشهد يثير الحيرة والاشمئزاز في آن واحد. لكن أكثر ما يربك التحقيق هو الطريقة التي اختار بها القاتل أن يترك بها أثره، إذ استبدل رأسه في تنفيذ عمليات القتل برأس كلب، في إشارة تفتح منذ البداية باب التأويل أمام علاقة الجريمة بالحيوان والعنف الذي يتعرض له.

 

ومع تقدم التحقيق، يتضح أن ما يبدو في البداية ضحية واحدة يخفي وراءه قصة أكثر تعقيدا، فالجثمان الذي يعاينه المحققان ليس إلا تجميعا لأجزاء بشرية تعود إلى نساء متعددات، الأمر الذي يحول القضية إلى لغز تتشابك فيه الأدلة وتتسع معه دائرة الأسئلة حول هوية الجاني ودوافعه.

 

ومن خلال هذا المسار البوليسي، ينتقل "بكمة" تدريجيا من البحث عن مرتكب الجريمة إلى محاولة الاقتراب من العالم الداخلي للشخصية التي تقف خلفها. فكلما انكشفت حلقة جديدة من التحقيق، تتضح ملامح علاقة مضطربة بين الماضي والحاضر، وبين ما عاشته الشخصية من عنف وما اختارت أن تفعله لاحقا بالآخرين.

 

وبذلك لا يبقى التحقيق مجرد وسيلة لدفع الأحداث نحو النهاية، بل يصبح مدخلا لاكتشاف البنية النفسية للجريمة، فيما يتحول اللغز الجنائي إلى رحلة في الذاكرة والانتقام والآثار التي يتركها العنف في الإنسان.

 

الرعب بوصفه لغة فنية

 

لا يأتي اختيار الرعب في "بكمة" منفصلا عن المسار السينمائي لعبد الحميد بوشناق، الذي رسخ منذ تجربته الأولى في الفيلم الروائي الطويل “دشرة” اهتمامه بهذا النوع السينمائي.

 

وكان "دشرة" الذي يعد من التجارب التونسية البارزة في سينما الرعب والإثارة الروائية الطويلة، قد عرض لأول مرة ضمن مهرجان البندقية السينمائي في سبتمبر 2014، قبل أن ينطلق عرضه في قاعات السينما التونسية في جانفي 2015.

 

غير أن تجربة بوشناق لم تتوقف عند الرعب، فقد أثبت حضوره أيضا في الدراما التلفزيونية من خلال أعمال لقيت متابعة واسعة، من بينها "النوبة" و"رقوج" و"كان يا ماكانش"، كما خاض تجربة الكوميديا النقدية في "هاذوكم"، ليظل المشترك بين مختلف هذه التجارب هو البحث عن أسلوب خاص في بناء الحكاية والاقتراب من القضايا الاجتماعية من زوايا غير مألوفة.

 

وفي "بكمة" يبدو هذا الخيار أكثر وضوحا،  إذ لا يستخدم المخرج الرعب فقط لإخافة المتلقي، وإنما لتحويل الخوف إلى وسيلة للتفكير. فالمشهد الدموي لا ينتهي بانتهاء الصورة، بل يترك وراءه سؤالا عن مصدر العنف وعن المسؤولية الفردية والجماعية في إنتاجه واستمراره.

 

الصورة والصمت في خدمة الرعب

 

ويكشف "بكمة" كذلك عن عناية تقنية لافتة، سواء على مستوى الصورة أو الإضاءة أو الموسيقى أو بناء الأجواء أو تصميم المشاهد، بما يخدم المناخ النفسي القاتم للفيلم.

وقد أثنى عدد من المخرجين والمهتمين بالشأن السينمائي ممن حضروا العرض ما قبل الأول على المستوى التقني للعمل، معتبرين أن الفيلم يقترب، من حيث جودة التنفيذ والمقاربة البصرية، من معايير الإنتاج السينمائي العالمي.

 

وتؤدي الأمكنة والظلال والإضاءة دورا أساسيا في صناعة الإحساس بالخطر، فيما يكتسب الصمت المرتبط بشخصية ياسين أهمية خاصة، باعتباره شخصية صماء تعيش عالما تتكثف فيه الأصوات والاعتداءات اللفظية، بينما تظل هي في موقع مختلف عن الآخرين.

 

ومن هذه المفارقة يستمد الفيلم جانبا من قوته: شخصية صماء تحمل في داخلها ذاكرة مثقلة بالأذى، ومجتمع يحيط بها بالكلمات الجارحة والأفعال العنيفة، قبل أن تتحول هذه التجربة إلى فعل انتقامي يتجاوز كل الحدود.

 

وبين الجريمة والغموض والرعب النفسي، يحاول "بكمة" أن يفتح نافذة على واحدة من أكثر الظواهر حضورا في الحياة اليومية، وهي العنف بمختلف أشكاله، من الكلمة الجارحة إلى الاعتداء الجسدي، ومن التنمر إلى القتل.

 

وفي النهاية، لا يكتفي الفيلم بسؤال من قتل ومن قُتل، بل يدفع المتفرج إلى سؤال أشد إزعاجا: كيف يمكن لإنسان أن يتحول، تحت وطأة العنف المتراكم، إلى نسخة أخرى من العنف الذي دمره؟

 

وبذلك يضع عبد الحميد بوشناق المتفرج أمام تجربة لا تنتهي عند خروج أضواء قاعة السينما، لأن الرعب الحقيقي في "بكمة" قد لا يكون في مشاهد الدم والأشلاء بقدر ما يكمن في اكتشاف أن الوحش الذي تصنعه القسوة لا يولد وحشا، وإنما قد يكون في البداية طفلا كان ينتظر من يحميه، وان ظاهرة قنص الكلاب تعكس مرآة قساوة مجتمع كامل.

وات

شارك:

إشترك الأن

تونس

18° - 28°
السبت27°
الأحد28°
& العيادة الطبيعية &
dima labes
المشهد الثقافي
زاد الطريق
الكلمة ليك
المشهد الثقافي

المشهد الثقافي

10:00 - 12:00

ON AIR
& العيادة الطبيعية &
dima labes
المشهد الثقافي
زاد الطريق
الكلمة ليك