بين عبق الماضي ونبض الحاضر : نبيهة كراولي تجدد العهد مع النجاح الفني والجماهيري على ركح قرطاج في سهرة الاحتفاء بعيد المرأة التونسية

ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي واحتفالا بالعيد الوطني للمرأة التونسية الموافق لـ13 أوت من كل سنة، احتضن المسرح الأثري بقرطاج في سهرة الخميس حفلا بإمضاء الفنانة نبيهة كراولي.
وشهد هذا الحفل الذي واكبته وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي ووزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري ورئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة، إقبالا جماهيريا كبيرا من مختلف الفئات العمرية، غلبت عليه فئة النساء، ممن آثرن الاحتفال بعيدهن على مدارج المسرح الأثري بقرطاج.
ويحتضن مسرح قرطاج سنويا، ضمن فعاليات مهرجان قرطاج الدولي، بتاريخ 13 أوت سهرة تخصص للاحتفال بهذه المناسبة الموافقة لتاريخ إصدار مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956، التي تحتفي هذه السنة بسبعين عاما على صدورها.
واختارت نبيهة كراولي أن تجعل من المرأة التونسية والهوية الوطنية محورين للسهرة، فافتتحت العرض بعبارات كتبتها ابنتها سلمى كراولي تثمن فيها أدوار النساء والصعوبات التي يواجهنها داخل المجتمع وتثمن نجاحاتهن وصمودهن، قبل أن تقدم باقة فنية متنوعة من أغانيها القديمة والجديدة.
وبمرافقة المايسترو خالد بن عيسى، أدت الفنانة مختارات من أعمالها التي جمعت بين الأغاني التراثية التي اشتهرت بأدائها وإنتاجاتها القديمة الخالدة التي صنعت مجدها وطبعت بدايات نجاحها الفني، علاوة على عدد من إنتاجاتها الجديدة، وقد استهلت الحفل بأغنية "متشوقة"، قبل أن تتوالى بقية الأغاني.
ومن الأعمال التراثية وأعمالها القديمة غنت كراولي قرطاج باقة من الأعمال التي تعاملت فيها مع أسماء وازنة في المجال الفني على غرار أغنية "النوارة العاشقة"، ويُطلق عليها أيضا عنوان "تناديني واناديك"، التي كتب كلماتها الشاعر علي الورتاني الذي كان حاضرا بين جمهور هذه السهرة، ولحنها الفنان الكبير أنور براهم، فضلا عن عدة أغان سجلت بداياتها مع الانتاجات الخاصة وتعاملت في عدد منها على مستوى الألحان مع الفنان سليم دمق، بالإضافة إلى الأغاني التراثية التي اقترنت باسمها وغيرها من الأعمال التي يحفظها الجمهور عن ظهر قلب ورددها مع الفنانة طيلة السهرة.
ومن ضمن هذه الأعمال، "كان قلبي يطاوعني" و"محلاها" و"إيجا انقلك" و"شفتك مرة" و"هز عيونك"و"تناديني وناديك" و"واش" و"الأيام والمكتوب" و "مبروكة" و"قالولي جاي" و"يا لالالي" و"هاي طلت".
ولم تكتف نبيهة كراولي بتقديم أغانيها المعروفة والناجحة، بل جازفت بتقديم الجديد على ركح قرطاج، حيث اختارت الفنانة أن تؤدي "هذا الي بيك" و "مازلت يا الأيام" كلمات وألحان ياسين حمزاوي وأمين قلصي، و"اش خص" كلمات وألحان رضا شعير وتوزيع محسن الماطري، وغيرهما من الإنتاجات الجديدة.
وحول هذه الخيارات الفنية التي تراوح بين أغان طبعت مسيرتها وأخرى استمع إليها الجمهور مؤخرا، أوضحت نبيهة كراولي خلال ندوة صحفية عقبت الحفل أنها تحب التحدي وتتبنى خيار التجديد وعليه لا يمكن أن تضع برنامجا قائما على القديم فقط، مشيرة إلى أن الأغاني الجديدة نالت إعجاب الجمهور على شبكات التواصل الاجتماعي لكن الفضاء الرقمي لا يعكس بالضرورة الواقع، معربة عن سعادتها بحفظ الجمهور وترديده لهذه الأغاني معه بما يعكس إعجابه بهذه الأعمال.
وأكدت بالمناسبة أن علاقتها بالجمهور لا تقوم على استعادة الماضي فقط، بل على مواصلة البحث عن الجديد مع ضرورة أن تتوفر في هذا الجديد شروط النجاح التي من بينها حسن اختيار الكلمة واللحن.
ونظرا لما يمتاز به هذا اللقاء مع الجمهور من طابع احتفالي بالمكاسب القانونية للمرأة التونسية، اختارت كراولي أن تغني للوطن من خلال أداء أغنية "بلادي" بمشاركة كورال "سيدي سامي" من فئة الأطفال واليافعين، وحول هذا الخيار الفني بينت كراولي خلال الندوة الصحفية أن تشريك الأطفال يندرج ضمن قناعة تقوم على ضرورة تربية الأطفال على معنى الانتماء والتعلق بالهوية في عالم مفتوح على مصراعيه.
وعلى الرغم من الطابع الاحتفالي للسهرة، فقد طغت على ملامح نبيهة كراولي في أغلب فترات العرض مسحة من الحزن، بدت واضحة في تعابير وجهها وطريقة أدائها، وهو ما أضفى على بعض الأغاني، ولا سيما "يمه"، بعدا حزينا لافتا. وجدير بالذكر أن الفنانة أدت خلال هذه السهرة أغنية "يمه" للمرة الأولى بمرافقة الأوركسترا، وهي أغنية من كلمات نبيهة كراولي كتبتها إهداء لوالدتها قبل وفاتها. واستحضرت كراولي من خلال هذا العمل صورة الأم بما تحمله من دلالات وحنين.
وتوجهت كراولي خلال العرض إلى المرأة التونسية، مؤكدة أنها تغني لنضالها اليومي وإنجازاتها ولقدرتها على إثبات جدارتها كل يوم. واعتبرت هذه الفنانة التي تعود إلى ركح قرطاج بعد غياب تجاوز عقدا من الزمن، أن الوقوف على ركح قرطاج يمثل تتويجا واعترافا بمشوارها الفني، لكنه في الآن ذاته مسؤولية والتزام.
ولم تخل السهرة من لحظات تكريم، إذ تلقت الفنانة في بداية الندوة الصحفية تكريما من مؤسسة التلفزة الوطنية بمناسبة العيد الوطني للمرأة وفي سياق احتفال مؤسسة التلفزة بستينيتها، في اعتراف بمسيرتها الفنية التي امتدت لعقود.
وعلى مدى ساعتين من الزمن، نجحت الفنانة نبيهة كراولي في كسب رهان التجديد والوفاء لذاكرتها الموسيقية وسط تفاعل كبير للجمهور الذي حضر بكثافة. وقد كانت هذه السهرة المخصصة للاحتفاء بالنساء التونسيات مناسبة لتجديد الموعد مع النجاح الفني والجماهيري الذي حققته العام الماضي في سهرة 13 أوت أيضا على ركح مهرجان الحمامات الدولي. وبرهنت نبيهة كراولي، صاحبة الصوت المتميز والمدونة الثرية، على قدرتها الثابتة منذ عقود في الحفاظ على مكانتها الفنية، والانفتاح بذكاء على فئات شبابية جديدة.










