مهرجان قرطاج الدولي: محمد خيري وميادة الحناوي يستحضران زمن الطرب الجميل في سهرة عنوانها الحنين وتواصل الأجيال

على إيقاع القدود الحلبية وروائع الأغنية الطربية العربية، تابع جمهور مسرح قرطاج الأثري مساء الخميس 06 أوت 2026 سهرة فنية جمعت الفنانين السوريين محمد خيري وميادة الحناوي، في حفل احتفى بجمال الكلمة واللحن، واستحضر ملامح مدرسة فنية أسهمت في تشكيل الوجدان الموسيقي العربي، من خلال لقاء جمع بين جيلين؛ جيل أسهم في ترسيخ الأغنية الطربية العربية وتمثله ميادة الحناوي، وجيل يواصل حمل مشعل هذا الفن والحفاظ على حضوره في المشهد الموسيقي العربي، ويمثله محمد خيري.
وافتتح محمد خيري السهرة، في أول ظهور له على ركح قرطاج في حفل خاص به، بعد أن كان قد شارك قبل نحو عشرين سنة، وهو في السابعة عشرة من عمره، ضمن الكورال المرافق للفنان السوري الراحل صباح فخري.
واختار خيري أن يمزج بين القدود الحلبية وأغان من المدونة الطربية العربية، في سهرة غلب عليها الحنين إلى الماضي وإلى مدرسة فنية ترسخت في وجدان الجمهور التونسي والعربي، من خلال أصوات ترددت على مسامع أجيال، في مقدمتها صوت صباح فخري.
وبمرافقة المايسترو مازن زوائدي والفرقة الوطنية للموسيقى، أطرب الفنان السوري الحاضرين بأغان وموشحات حفظ أغلبها الجمهور ورددها عن ظهر قلب، من بينها “لما بدا يتثنى” و”سيبوني يا ناس” و”ما تفوتنيش أنا وحدي” و”آه يا حلو” و”ابعثلي جواب” و”قدك المياس” و”خمرة الحب”. كما أدى إحدى أغانيه الخاصة بعنوان “سنين”.
وكان خيري قد أعلن في مستهل الحفل عن تزامن هذه السهرة مع إطلاق أغنيته الجديدة “وجهة نظر”، غير أن الجمهور لم يتابعها بصوته مباشرة على الركح، إذ عُرضت على الشاشة قبل انطلاق الحفل.
وفي تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أوضح محمد خيري أن إطلاق الأغنية الجديدة تزامن مع يوم الحفل، ولم يتسن له الوقت الكافي لإدراجها ضمن البرنامج وإجراء البروفات الخاصة بها، مفضلا أن يقدم خلاصة تجربته الفنية الممتدة على مدى سبع سنوات، وأن يؤدي الأعمال التي يحبها الجمهور ويتفاعل معها.
وأضاف أن قصر مدة وصلته، التي لم تتجاوز الساعة، دفعه إلى استثمارها في تقديم أبرز ما لديه للجمهور التونسي.
ورغم أن العرض كان منتظرا أن يخصص للقدود الحلبية احتفاء بالأغنية السورية، اختار خيري أن يزاوج بين هذا التراث الموسيقي والأعمال الطربية. وأوضح في تصريحه لـ”وات” أن البرنامج خصص في أغلبه للقدود الحلبية، وافتتح بموشح أندلسي هو “لما بدا يتثنى”، قبل تقديم أعمال من ألحان سيد درويش وأغان أخرى.
وأكد أن هذا الخيار يعكس عدم ميله إلى حصر الفنان في لون موسيقي واحد، مذكرا بانتمائه إلى مدرسة الطرب الأصيل وحرصه على تقديم مختلف ألوان هذا التراث.
وفي هذه السهرة، التي أتاح خلالها خيري لجمهور تونس اكتشاف صوت طربي أصيل يعمل منذ سنوات على إعادة إحياء التراث الغنائي العربي، التقى الفنان الشاب بإحدى أيقونات الغناء العربي، الفنانة ميادة الحناوي.
وحول هذا اللقاء وما يمثله من مسؤولية وتحد بالنسبة إلى فنان من جيله، قال خيري في تصريحه لـ”وات” إن الغناء إلى جانب ميادة الحناوي “شرف ومسؤولية في الآن ذاته”، معتبرا أن هذا اللقاء يجسد تواصل الأجيال وتسليم الراية من جيل إلى آخر، ومعبرا عن اعتزازه بالغناء قبل واحدة من قامات الفن العربي.
وبين التراث الموسيقي العربي والتراث غير المادي التونسي، الذي حضرت ملامحه من خلال “الجبة التونسية” التي ارتداها، أنهى محمد خيري وصلته بأغنية “خمرة الحب”، ليفسح المجال أمام ميادة الحناوي، الفنانة التي دخلت بيوت التونسيين وقلوبهم عبر الشاشة الصغيرة، وحضرت في ذاكرة الجمهور من خلال مشاركاتها في عديد المناسبات التلفزية، من بينها ظهورها مع الإعلامي الراحل نجيب الخطاب.
وعلى وقع كلمات “أنا مخلصالك”، انطلقت ميادة الحناوي في الجزء الثاني من السهرة، مقدمة لجمهور تونس باقة من أشهر أغانيها التي ترسخت في ذاكرة الجمهور العربي، ومستعيدة أبرز محطات مسيرتها الفنية.
وبمرافقة المايسترو يوسف بالهاني، أدت الحناوي على ركح مسرح قرطاج الأثري، الذي تعتليه مجددا بعد غياب دام 21 سنة، مجموعة من أغانيها، من بينها “حبينا واتحبينا” و”هي الليالي كده” و”الشمس” و”دوا عيني” و”الحب اللي كان” و”فاتت سنة”، قبل أن تختتم وصلتها بأغنيتها الشهيرة “أنا بعشقك”، التي أطلق عليها جمهورها “نشيد الحب”.
وردد الجمهور كلمات الأغنية بحماس كبير، حتى إن عددا من الحاضرين أكدوا لـ”وات” أنهم قدموا إلى السهرة خصيصا للاستماع إلى “أنا بعشقك” بصوت فنانة يعتبرونها إحدى أيقونات الطرب العربي.
وفي تصريح إعلامي، عبرت الحناوي عن سعادتها بالعودة إلى تونس والوقوف مجددا على ركح قرطاج، مؤكدة أن الجمهور التونسي يتميز بحبه للفن الأصيل وقدرته على التفاعل مع الأعمال ذات القيمة الفنية.
واعتبرت أن استمرار حضور أغانيها لدى مختلف الأجيال يؤكد قدرة الفن الأصيل على تجاوز الزمن، وأن الأغنية القائمة على الكلمة الجميلة واللحن المتقن تظل راسخة في وجدان الناس.
وشهد الحفل حضورا جماهيريا متنوعا من حيث الفئات العمرية، تفاعل مع الفنانين بترديد الأغاني والرقص. وفي الجزء الخاص بميادة الحناوي، ركز الحاضرون خصوصا على أغنيتي “الحب اللي كان” و”أنا بعشقك”، ورافقوها في أداء عدد من المقاطع، في مشهد عكس استمرار ارتباط الجمهور بالأغنية العربية الطربية.
وفي المقابل، عبر بعض الحاضرين عن انتظارهم أداء صوتيا أكثر قوة من الفنانة مقارنة بمراحل سابقة من مسيرتها، رغم الاحتفاء الكبير الذي رافق عودتها إلى ركح قرطاج.
وعلى مستوى الحضور البصري، اختارت ميادة الحناوي استعادة صورة ارتبطت بها في ذاكرة جمهورها على امتداد عقود، من خلال إطلالة قريبة من ملامح حضورها الفني المعروف، سواء من حيث اللباس أو تسريحة الشعر، في محاولة لاستحضار الصورة التي رسخت في أذهان جمهورها.
سهرة الأمس ضمن الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، وإن تباينت فيها مشاعر الحاضرين تبعا لاختلاف انتظاراتهم، فإن الحنين إلى “الزمن الجميل” ظل عنوانها الأبرز. وقد بادلت ميادة الحناوي جمهور قرطاج هذا الحنين بمشاعر مماثلة، مختتمة لقاءها معه بكلمات أغنيتها “حبك ما ينتهيش، مخلوق علشان يعيش”، في خاتمة أعادت السهرة إلى عنوانها الأبرز: الحنين إلى زمن لا يزال حاضرا في الذاكرة الفنية والوجدانية للجمهور.




26° - 35°



