المغني الأمريكي "بيغ دادي ويلسون" في مهرجان الحمامات الدولي... حين يصبح البلوز حكاية تُروى

وقف الفنان الأمريكي "بيغ دادي ويلسون" أمام جمهور الدورة 60 لمهرجان الحمامات الدولي في سهرة الثلاثاء 21 جويلية 2026، ولم يبدأ حفله بأغنية وإنما بحكاية. ابتسم وقال إنه جاء يحمل أغاني ألبومه الجديد "Smiling All Day Long"، وكل ما يرجوه أن يغادر الناس المكان وهم أكثر ابتساما مما كانوا عليه عند الدخول. لم تكن تلك الجملة عابرة فقد اختزلت روح السهرة بأكملها.
جولة "Back To The Roots" التي يقدمها ويلسون هذه الأيام ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي عودة إلى المنابع الأولى للبلوز والسول والفولك الأمريكي. أما على الركح فقد بدا الأمر أشبه برحلة في الذاكرة يقودها رجل اعتاد أن يفتتح أغانيه بقصة ويترك الموسيقى تكمل ما تعجز الكلمات عن قوله.
اعتلى ويلسون الركح بإطلالة كلاسيكية أنيقة تعكس هوية موسيقى البلوز التي يمثلها. وقد ظهر مرتديا بدلة سوداء داكنة نسّقها مع قميص أبيض ومنديل جيب، فيما أضفى القبّعة ذات الحواف العريضة والنظارات السوداء على مظهره لمسة أمريكية جنوبية تستحضر رموز البلوز التقليدي. وبدت هذه التفاصيل المدروسة امتدادا لشخصيته الفنية حتى غدت جزءا من حضوره على الخشبة.
واستهل المغني الأمريكي الحفل بأغنية مستوحاة من أغاني عمال السكك الحديدية، ثم التفت إلى الجمهور قائلا: "حين تغني البلوز فأنت تروي الحقيقة." لم يكن يشرح تاريخ هذا اللون الموسيقي بقدر ما كان يشرح نفسه. فمنذ سنوات طويلة، اختار أن يجعل من كل أغنية شهادة على تجربة عاشها أو مشهدا بقي عالقا في ذاكرته. وهكذا توالت الأغاني تتقدمها الحكايات.
وقبل أداء "She Don't Love Me No More"، روى قصة رجل عاد إلى منزله ليجد كل أغراضه في الممر بعدما قررت المرأة التي يحبها أن تنهي علاقتهما. ضحك الجمهور وضحك ويلسون معهم، ثم انساب البلوز حاملا شيئا من الطرافة وشيئا من مرارة الخيبة. ففي عالمه حتى المواقف المؤلمة تصلح لأن تتحول إلى أغنية.
ولم يطل البقاء في تلك المساحة الحزينة. بعد دقائق معدودة، أهدى الحضور أغنية "He Cares for Me". وقال إن البشر قد يتخلون عنا أحيانا أما الله فيظل يرعى الجميع. خرجت الكلمات ببساطتها المعتادة، من دون وعظ أو خطابة كأنها حديث بين صديقين أكثر منها رسالة من فنان إلى جمهوره.
ثم دعا الجميع إلى السفر معه جنوبا إلى أوستن في ولاية تكساس، حيث كان شابا في 19 من عمره يدخل أحد نوادي البلوز الشعبية للمرة الأولى. هناك، كما حكى، شاهد امرأة ضخمة الجسد تسيطر على حلبة الرقص بحركاتها وثقتها بنفسها، فغيّرت تلك الليلة نظرته إلى الموسيقى وإلى الحياة. وما إن انطلقت "Texas Boogie" حتى انتقلت عدوى الحكاية إلى الجمهور الذي واكب الإيقاع بالتصفيق والرقص..
وكان للحنين نصيب آخر من السهرة. استعاد ويلسون أيام المدرسة الثانوية حين كانت شقيقته الكبرى تصطحب صديقتها "جوزفين" الفتاة التي لم يكن يجرؤ على مخاطبتها. مرت السنوات، وبقي الاسم حاضرا فتحول إلى أغنية حملت عنوان "Hello Josephine" وبدت خلالها الذكرى أكثر حضورا من الزمن نفسه.
وفي ختام الحفل، عاد إلى المكان الذي يبدأ منه كل شيء بالنسبة إليه وهو كارولاينا الشمالية. عرّف نفسه بأنه "ولد ريفي" ثم توجه بكلامه إلى النساء الحاضرات، داعيا إياهن، بروحه المرحة، إلى البحث عن رجل ريفي أصيل يعرف كيف يحترم المرأة ويعاملها بمحبة. وقد استقبل الجمهور مزحته بضحكات بينما كانت الفرقة تواصل عزف البلوز بإيقاعه الدافئ.
لقد كان كل من تابع بيغ دادي ويلسون على ركح مهرجان الحمامات الدولي يدرك سريعا أن الأغنية ليست سوى نصف العرض. أما النصف الآخر فتملؤه الحكايات عن الحب والخذلان والعمل والإيمان والشباب والناس الذين التقاهم في محطات حياته. لذلك لا تبدو موسيقاه منفصلة عن سيرته ولا سيرته منفصلة عن البلوز الذي نشأ عليه في الجنوب الأمريكي وحمله معه إلى مسارح العالم.
في مهرجان الحمامات الدولي، لم يقدّم ويلسون سلسلة من الأغاني المتتالية، وإنما فتح صفحات من ذاكرته وترك الجمهور يتنقل بينها بإيقاع البلوز. وعندما أسدل الستار، بقي الانطباع الأوضح أن هذا الفنان لا يغني ليبهر مستمعيه وإنما ليشاركهم قصصا يؤمن بأن الموسيقى وحدها قادرة على منحها حياة جديدة في كل مرة تُروى فيها.




28° - 40°





