ڤناوة ديفيزيون تحتفي بذاكرة القناوة وتتغنى بالحرية والسلام على ركح مسرح الحمامات الدولي

أمام شبابيك مغلقة، أحيت المجموعة الفنية الجزائرية "ڤناوة ديفيزيون" مساء الإثنين 20 جويلية 2026 على ركح مسرح الحمامات الدولي حفلا موسيقيا جمع بين التغني بالقيم الإنسانية الكونية وإحياء تراث موسيقى القناوة، باعتبارها أحد مكونات الهوية الثقافية الجزائرية والمغاربية عموما.

 

وشهد هذا العرض، الذي يندرج ضمن برمجة الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، المتواصلة من 11 جويلية إلى 13 أوت، حضورا جماهيريا مكثفا من مختلف الفئات العمرية، ممن تفاعلوا مع أغاني المجموعة بالغناء والرقص طيلة العرض، في سهرة احتفت بتجربة فنية ملتزمة يعود تاريخ تأسيسها إلى سنة 1992.

 

وعلى وقع موسيقى وكلمات هذا الفرقة الفنية الملتزمة بالقضايا الإنسانية، تحررت أصوات وأجساد الجمهور في مدارج مسرح الحمامات الدولي، لترسم لوحة فنية تتغنى بالحياة وبقيم الحرية والتحرر وبالأمل، ليتحول هذا التفاعل بدوره إلى جزء من العرض.

 

ولم يكن عرض "ڤناوة ديفيزيون" مجرد حفل موسيقي، بل مثل رحلة فنية مزجت بين الإيقاعات المغاربية التراثية والأنماط الموسيقية العالمية، ونبشا في ذاكرة جماعات وشعوب حولت تجارب الاستعباد والظلم إلى أشكال من التعبير الفني من خلال الموسيقى والرقص ومختلف الفنون.

 

فالقناوة هو أحد التعبيرات الفنية التراثية التي لها طقوسها وتعبيراتها الخاصة والتي وُلدت في سياقات تاريخية ارتبطت فيها بقضايا الشعوب وثقافتها آنذاك وكانت أداة للتعبير عن معاناتها وتوثيق تجاربها التي قد لا يوثقها التاريخ الرسمي، وقد استغلت المجموعة هذا التراث الموسيقي لتمرر للجمهور رسائل تستحضر قيم الحرية والسلام ورموز النضال في مختلف أنحاء العالم.

 

وبدا هذا التوجه نحو الاحتفاء بالقضايا الانسانية جليا منذ اللحظات الأولى للعرض، حيث حضرت الكوفية الفلسطينية ضمن المشهد البصري للركح، قبل أن يؤدي قائد الفرقة أمازيغ كاتب رفقة المجموعة الموسيقية أغنية "شارلا تاون CHARLA TOWN" الداعمة للقضية الفلسطينية والتي كُتبت كلماتها باللغة الأنقليزية.

وقد رافق هذا التوجه الداعم للقضية الفلسطينية المسار الفني للمجموعة منذ تأسيسها على يد أمازيغ كاتب، المؤلف الموسيقي والمغني الجزائري المولود سنة 1972 في الجزائر، وهو ابن الروائي الجزائري الكبير الراحل كاتب ياسين أحد أبرز كتاب الأدب الفرنفكفوني.

ورغم نشأته في فضاء ثقافي فرونكوفوني بحكم ارتباط والده بالأدب الفرنسي، اختار أمازيغ كاتب أن ينتصر للجذور والهوية الأمازيغية التي يعبر عنها اسمه، "أمازيغ"، فاهتم بالتراث الموسيقي الجزائري والمغاربي وساهم في تأسيس مشروع فني جعل من خلاله الفن فضاء للتعبير عن قضايا الهوية والذاكرة والعدالة والتحرر.

 

ويشكل الانحياز إلى القضايا الإنسانية جزءا أساسيا من هوية مجموعة قناوة التي استندت إلى التراث الموسيقي للقناوة بما يحمله من ذاكرة إفريقية ومن معجم إيقاعي خاص. وتتقاطع هذه الذاكرة مع تجارب موسيقية مغاربية أخرى، من بينها فن السطمبالي الشهير في تونس، الذي يعود بدوره إلى جذور إفريقية ويرتبط تاريخيا بطقوس موسيقية وروحانية، وظل على مدى السنوات حاضرا باعتباره أحد أشكال التعبير عن الذاكرة والتحرر. وتعتمد هذه التعبيرات الفنية على آلات وإيقاعات خاصة، من بينها القمبري والشقاشق، التي تحولت أصواتها إلى علامات مميزة في المشهد الموسيقي المغاربي.

 

ومن هذا التراث، استلهمت ڤناوة ديفيزيون جزءا من هويتها، مع سعيها إلى التجديد والانفتاح على أنماط موسيقية متعددة، من بينها الريغي والبلوز، في مزج حافظ على روح التراث الغنائي الجزائري والمغاربي وأضفى عليه بعدا معاصرا.

وفي هذا السياق، اعتمد العرض على توليفة موسيقية جمعت بين الآلات الوترية والإيقاعية، حيث تصدرت آلة القمبري المشهد، ترافقها قرقعات الشقاشق ودق الطبول، إلى جانب نغمات الغيتار و البيانو والأورغ والعود، لتشكل جميعها نسيجا صوتيا مميزا أثار حماس الجمهور من ناحية واحتفى بالجذور وبالتجديد الموسيقي من ناحية أخرى.

 

ومن خلال أغان حفظها الجمهور ورددها، نبشت "ڤناوة ديفيزيون" في ذاكرة الحاضرين ممن تابعوا مسيرة هذه المجموعة التي ذاع صيتها وانتشرت عربيا وعالميا على مدى عشرات السنين، حيث أدى أمازيغ كاتب خلال هذه السهرة عددا من أشهر أغانيه، من بينها "يا لايمي" و"يا ماليكا" و"تيميمون تومبوكتو" و"هلال الليلة" فضلا عن "شارلاتاون" .

 

وفي تماه مع توجهها الداعم لتحرر الشعوب، استحضرت المجموعة أحد رموز النضال العالمي من أجل التحرر وهو الثائر الأممي تشي غيفارا أحد أبرز رموز حركات التحرر في القرن العشرين، وذلك من خلال أداء مقطع من الأغنية الشهيرة "hasta la victoria siempre "، كما سرد أمازيغ كاتب محطات من تاريخ المقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، في ربط بين ذاكرة الشعوب وقضايا التحرر المعاصرة.

 

وجدير بالذكر أن هذا العرض سجل عودة ڤناوة إلى ركح الحمامات بعد غياب لأكثر من عقد من الزمن، منذ آخر عرض لها بالمسرح سنة 2015، وقد تجاوزت المجموعة من خلاله البعد الموسيقي لتُجسد رؤية فنية تقدم الموسيقى بوصفها إحدى الآليات القادرة على جمع الشعوب حول ذاكرة مشتركة وقيم إنسانية تتجاوز الحدود.

« السابقالعودة إلى القائمةطباعةتحميلأضف إلى سلة المشتريات

شارك:

إشترك الأن

تونس

31° - 45°
الأربعاء40°
الخميس39°
< لمة صيف >
Summer Club
لمة صيف
شرفات المساء
استوديو الصيف
جنح وطير
صيفك على كيفك
أصايل
ربط مع إذاعة قفصة
شرفات المساء

شرفات المساء

17:00 - 20:00

ON AIR
< لمة صيف >
Summer Club
لمة صيف
شرفات المساء
استوديو الصيف
جنح وطير
صيفك على كيفك
أصايل
ربط مع إذاعة قفصة