"3، نهج فلسطين".. عرض مسرحي يطرح أسئلة عن الذاكرة والهوية

لطالما كانت الكتابة على الجدران شكلا من أشكال التعبير، والرغبة في التوثيق للأحداث الجارية في لحظة ما، فهي شكل من أشكال المقاومة وتجسيد لنوع من أنواع المقاومة. فالخربشة على الجدران بمختلف تجلياتها، أضحت منذ سنوات فضاء للتعبير الحر يسع الأفكار والأحلام وشاهد عما يختلج في الصدور.

 

ولئن اهتم عديد الجامعيين والكتاب بهذا المبحث ومنهم الكاتب توفيق العلوي الذي أصدر كتابا بعنوان "نحو الشوارع" تناول فيه مسألة الكتابة على الجدران ليس كخربشة عشوائية، بل كنصوص متمرّدة تحمل دلالات سياسية واجتماعية، مستنطقا هذه الكتابات وفق تصور لساني، تداولي، وسيميائي لتوثيق "ثقافة الهامش" التي اتخذت من الجدران شاشات للتعبير عن المشاغل والآمال، فإن الفنان المسرحي والمخرج مروان الميساوي، اختار أيضا تناول هذا المبحث الهام ليكون الأساس الذي بنى عليه أحداث عمله المسرحي الجديد "3، نهج فلسطين".

 

وكان جمهور مسرح المبدعين الشبان بمدينة الثقافة، مساء الأحد 12جويلية 2026 ، على موعد مع العرض الأول من هذا العمل الجديد الذي كتب نصه أيضا مروان الميساوي رفقة هيثم مومني، واشترك في تقديم أدواره كل من محمد شعبان وعلي بن سعيد وهيثم مومني وسندرة فرحات وفاروق زغلامي ومن إنتاج مسرح أوبرا-تونس.

 

في مستودع قديم، في أحد أحياء العاصمة، يجتمع 5 أشخاص غرباء، في فضاء واحد، يتوافقون تارة ويتصارعون تارة أخرى من أجل البقاء، في مجتمعٍ لم يُنصفهم ودفع بهم إلى الهامش.

يبحث مالك هذا المستودع عن شار جديد، محاولا التخلص من هذا الإرث الاستعماري الذي تركه له والده، وكان حملا ثقيلا عليه، وفي نفس الوقت لا يريد أن يبيعه لابن بلده، بل هو يبحث عن حريف أجنبي، يُقدم له صفقة مربحة. يريد هذا المالك، مال المستودع للهروب من الواقع والتخلص من الذكريات المدفونة، منها الرغبة في نسيان ابنته التي ماتت في صندوق كرتوني، لتُجرد من كرامتها.

 

في نفس هذا الفضاء، كُلف معطل عن العمل من أصحاب الشهائد العليا، بالطلاء، طلاء ذلك الجدار الذي ينظر إليه الجميع، بشكل مبهم، يتساءلون عن فحوى الخربشات المدونة فوقه، وما تحمله من أسرار. يُكلف بمحو ما يمكن أن يُفصح عنه الجدار، من كلام يُمكن أن يزعج الآخرين. وجاء نص هذا العمل مليئا بالدلالات، فلم يكن اختيار مهنة هذا الشاب اعتباطيا خاصة وأن مرؤوسيه كلفوه بمهمة "الحراسة" على الأقل إن عجز عن "الطلاء".

 

في هذا المستودع، يسكن أحد الأشخاص "المهمّشين في المجتمع"، وقد اتخذ من هذا الفضاء ملاذا هربا من واقعه، أين يعترف بارتكابه جرائم فظيعة في حق الآخرين، ويكشف عن جانب مظلم من شخصيته، فهو خارج عن القانون، غارق في إدمان الكحول، تتنازعه الفوضى الداخلية والشعور بالاغتراب.

 

ووسط هؤلاء الرجال، تقف فتاة وحيدة، تطمح إلى هدم هذا المستودع، لتخلق منه فضاء بديلا، يتسع للجميع، فضاء "ثقافي"، يكون متنفسا لمن يبحثون عن "مكان ثالث" غير المنزل ومقر العمل.

تحاول أن تُحقق حلم والدها، الفنان الذي فقدته، في ظل منظومة تنهشها الرأسمالية المتوحشة وتُلغي الإبداع وتجعل من الناس مجرد نسخ، يتهافتون على جمع المال.

 

في هذا المستودع، بما يحمله من دلالات، يحاول من يمسك الميكرفون توثيق ما يحدث، ليجد نفسه مذهولا بما يجري في هذا العالم، الذي أصبحت فيه القضايا الانسانية مجرد "ترند"، سريعا ما تُمحى من الذاكرة، ويواصل الناس حياتهم بهدوء. وينقد مخرج هذا العمل الصمت الدولي وصمت العديد من وسائل الإعلام إزاء ما يحدث في فلسطين، معرجا على عديد القضايا الهامة التي يجب التمعن فيها من خلال طرح جملة من التساؤلات على غرار من يملك أحقية الأرض؟ ما هو الوطن؟ من يكتب التاريخ؟ فهذا العمل وفق صاحبه هو "رحلةٌ في أعماق الذاكرة، حيث لا تختفي الجراح، بل تنتظر لحظةً لتتكلم".

 

ولفتت السينوغرافيا في هذا العمل انتباه الجمهور، حيث ارتكزت على تقنية الإسقاط الضوئي للفيديو "مابينغ" على الجدارن المتحركة التي اعتمدها الممثلون كوسيلة للتحرك من فضاء إلى آخر في سياقات مختلفة.

علما، أن الإضاءة هي من تصميم صبري عتروس، فيما أنجز حمزة العبيدي تصميم الفيديو مابينغ.

شارك:

إشترك الأن

تونس

26° - 42°
الأربعاء40°
الخميس41°
< عالموجة مع عبير بوليلة  >
Summer Quiz
فيلوصوفيا
برد القايلة
منكم واليكم
عيش الفن
على الأثير
الصيف ضيف
فيلوصوفيا

فيلوصوفيا

14:00 - 15:00

ON AIR
< عالموجة مع عبير بوليلة  >
Summer Quiz
فيلوصوفيا
برد القايلة
منكم واليكم
عيش الفن
على الأثير
الصيف ضيف