صيف الماريونات” بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي : حين تهجر الأنامل الصّغيرة الهاتف الجوّال لتصنع عروسها الفنيّة بشغف وحلم…

من أمام الباب الخلفي للبهو السّفلي لمدينة الثّقافة الشاذلي القليبي …وبخطواتهم المتناثرة، ومشيتهم التي تفضح رغبتهم في الوصول والولوج والانطلاق في المغامرة، تسللوا داخل قاعة معرض الماريونات، ليستقرّوا أمام العرائس الفنية المعلّقة، كلّ يلمس ما راق له من العرائس التي تنوّعت أشكالها، وصدحت بخيال مبتدعيها …لم تكن نظراتهم تستهدف بعضهم البعض، بل توجّهوا ببصرهم نحو الألوان التي اكتظّت بها القاعة، وكأنهم يبحثون عن فسحة للهروب …
باغتتهم المؤطّرة بسؤال بعد التحية “ماذا تعرفون عن عالم “الماريونات”؟، تدفّقت إجاباتهم دفعة واحدة كلّ بحسب ما خطر في باله من أفكار، هنا طلبت منهم بلطف أن يعبّروا كلّ بحسب الدّور…ساد الصّمت حينها وتكلمت طفلة لم يتجاوز سنّها الثلاثة أعوام لتقول “ماما قالت لي…الماريونات فنّ وحياة”…شكرتها مؤطّرة الورشة مثمّنة هذا التعريف الذي يختزل جانبا من الحقيقة.

“صيف الماريونات…”
كنّا خلال أسبوع كامل في ورشة لفنّ العرائس، من تنظيم المركز الوطني لنّ العرائس، انطلقت يوم الاثنين 06 جويلية لتتواصل إلى حدود يوم الجمعة 10 جويلية 2026 ضمن تظاهرة “صيف الماريونات”، هذه التظاهرة التي تتيح لأطفالنا الفرصة ليصنعوا العروس الفنّية ويتفاعلوا معها كلّ حسب ما تشاء اختلاجاته وتصوّراته لهذه التجربة.
انطلقت تجربتهم بجولة في الفضاء بمختلف مكوّناته، معرض فن العرائس ومسرح الجيب وورشة صنع العرائس، وهي الفضاءات التي تصنع فيها العروس منذ أن تبدأ بخربشة قلم على ورق، إلى أن تصبح عروسا جاهزة تحمل أو تحرّك ضمن مسرحية أو عمل درامي ينتجه المركز، وقد كانت الجولة لتقريب هذا العالم من الأطفال الذين استقبلهم الفضاء في إطار ورشتين مختلفتين، الأولى لصنع الأقنعة مع الأستاذة خلود ثابت، والثانية في الألعاب الدرامية وذلك بتواتر يومي من الساعة التاسعة والنصف صباحا وإلى حدود الساعة الواحدة والنصف بعد الزّوال.
وتقول خلود ثابت (أستاذة خرّيجة المعهد العالي للفنّ المسرحي اختصاص فن العرائس) “يعتبر القناع شكلا من أشكال عرائس الماريونات، هو شكل بسيط لذلك نعتمده للتعريف بهذا الفن لدى الأطفال حديثي العهد بتجربة فن العرائس، والقناع لدى الطفل هو فرصته للتخفّي وراء الشخصية التي يختارها ويرسمها ويلوّنها على طريقته الخاصّة”.

“بعد الامتحانات تأتي متعة الماريونات “..

تقول آمنة (11 سنة) وهي مشاركة بالورشة “عشت ضغطا كبيرا خلال فترة الامتحانات، وكنت أنتظر بفارغ الصّبر أن تنطلق ورشات المركز الوطني لفنّ العرائس لإيماني بأن هذا الفضاء هو متنفّس حقيقي للطفل، وهو فرصة ثمينة للقطع مع جو الامتحانات والنتائج و”السّتراس”.
وفي إجابة عن سؤال مدى استفادتها من الورشة تقول ‘”طبعا كنت مستفيدة، لقد تعلّمت كيف أصنع عروس القناع، واكتشفت جانبا حالما منّي في ورشة الألعاب الدّرامية التي تضع الطفل في وضعيات درامية مختلفة ليرتجل ويحاول الأقناع عبر الارتجال”.
وفي هذا الإطار تعرّف السيدة خلود النّاعس، وهي الممثّلة والأستاذة في فنّ العرائس الألعاب الدّرامية بكونها ورشة تتيح للطفل بناء مواقف درامية مختلفة، تهبه الرّكح ليعبّر بطريقته الخاصّة، ومن خلال ما يقدّمه من تجسيد نفهم شخصيّته، ونساعد بعض الأطفال أيضا ليتجاوزوا انطوائيّتهم أو شعورهم بالخجل داخل المجموعة”.
اقتربنا من يوسف (5 سنوات) كان غاضبا يكاد يغالبه البكاء بعد انتهاء حصّة الألعاب الدّرامية فتوجّهنا له بالسّؤال عن السبب فقال” صديقي لم يتواصل معي لنكمل المشهد…لقد خذلني”…
كان يوسف واحدا من الأطفال الذين تحرّكوا بطلاقة في فضاء مسرح الجيب وفق إطار مشهدي ودرامي رسمته لهم الأستاذة خلود النّاعس عبر الكلمات، وكان على كلّ طفل أن يتخيّل مشهدا ويتحرّك ويتكلّم ويرسم التعابير الضرورية لذلك على وجهه ومن خلال حركة جسده، أو ربّما من خلال سكنات الجسد، ويبدو أن يوسف كان ينوي تبيلغ فكرة ما بالاستعانة بصديق له، ولكنّ هذا الرفيق لم يتفاعل مع المشهد الدّرامي كما يجب حسب تقديره. وهنا تكمن أهمية ورشة الألعاب الدّرامية التي تخلق روحا جماعية بين الأطفال، يتشاركون معا الفكرة أو الإحساس، فتنشأ لدى الطفل ملكة التخيّل، ويصبح قادرا على التعبير بالحركة أو بتقاسيم وجهه أو عبر الكلام.

القطع مع الهاتف الجوّال….

“نحن هنا ليقطع الطفل أو المراهق مع الهاتف الجوّال والحاسوب وغيرهما من وسائل التواصل التكنولوجي”..هكذا استهلّ أسامة الماكني المكلّف بالورشات التكوينية مداخلته معنا في إجابة عن سؤال “ما الهدف الأبرز من هذه الورشات؟” وأضاف “تلعب هذه الورشات مبدئيا دورا ترفيهيا ولكنّها تتجاوز الترفيه إلى بناء شخصية متمكّنة من التعبير، ومن بناء شخصيات افتراضية عبر الفنّ، يصبح الطفل أو المراهق هنا فاعلا عبر الفكر والساعد أيضا، حين يصنع فكرته، ويقدم تصوّرا لعروسه الفنية، وما ستفعله هذه العروس وما ستعيشه في إطار قصّة وحكاية.
ويقدّم المركز الوطني لفن العرائس ورشات دورية على مدار السّنة بمعدّل ورشة في الأسبوع لمختلف الفئات العمرية تنطلق من كتابة النصّ وتصميم الشخصيّة وصنعها ومن ثمّة مرحلة التحريك، وتمارين الدّمج في العرض المسرحي، هو تسلسل فريد من نوعه يتيح للمتكوّن المجال ليعيش التجربة كاملة.
واختتمت الورشة الأولى من تظاهرة “صيف الماريونات” يوم الجمعة 10 جويلية بتوزيع شهائد المشاركة وبعرض تنشيطي عرائسي لاقى التفاعل، لتنطلق يوم 13 جويلية المقبل الورشة الثانية المخصصة للنّحت والرسكلة، وتختتم يوم 17 جويلية الجاري.
ويتواصل “صيف الماريونات” إلى حدود يوم 31 أوت 2026، ويقترح المركز الوطني لفن العرائس على روّاده عددا هامّا من الورشات لعيش هذه التجربة، على غرار ورشات خيال الظّل ومسرح الأشياء وعروس القفاز والفم المتحرّك وعرائس الطّاولة والعروسة المحمولة وعروس الإصبع وغيرها، وهي من توقيع أساتذة مختصّين من المركز أو من المتعاونين الخارجيّين المشاركين في هذه التظاهرة.

إعداد: مكتب الإعلام والاتصال بالوزارة
صور: المركز الوطني لفنّ العرائس


 

شارك:

إشترك الأن

تونس

25° - 41°
الأحد38°
الاثنين33°
< أستوديو الويكند >
PROGRAMME ANGLAIS
Summer Sport
أرخبيل المسرح
برد القايلة
الملف الرياضي
أرخبيل المسرح

أرخبيل المسرح

14:00 - 15:00

ON AIR
< أستوديو الويكند >
PROGRAMME ANGLAIS
Summer Sport
أرخبيل المسرح
برد القايلة
الملف الرياضي