"سيروكو" لعزيز الزواوي... مزيج متوسطي يوشّح شوارع طبرقة

ضمن برمجة "ستريت جاز" في الدورة العشرين لمهرجان طبرقة للجاز، قدّم عزيز الزواوي مشروعه "سيروكو"، وهو عرض يستلهم البحر الأبيض المتوسط بوصفه فضاءً للعبور واللقاء.
واستمدّ المشروع اسمه من رياح السيروكو القادمة من جنوب المتوسط، تلك الرياح التي تحمل معها روائح الأرض والبحر وذاكرة الأمكنة، لتصبح، في رؤية الزواوي، استعارة لرحلة موسيقية تتنقل بين الثقافات والإيقاعات، وتبحث عن القواسم المشتركة بين شعوب المنطقة.
ومن خلال مقطوعات ألبوم Meditunes، قدّم الزواوي مؤلفات أصلية لا تستعيد التراث المتوسطي بصورته التقليدية، وإنما تعيد قراءته بلغة موسيقية معاصرة، تتقاطع فيها روح الجاز مع الإيقاعات المتوسطية، في صياغة تجعل كل مقطوعة محطةً جديدة ضمن رحلة صوتية متواصلة.
وفي الفضاء المفتوح الذي احتضن عروض "ستريت جاز"، اكتسب المشروع بعدًا إضافيًا، إذ انسجمت الموسيقى مع حركة المدينة، بينما وجد الجمهور نفسه يتنقل، عبر الألحان، بين مشاهد مختلفة؛ من هدوء البحر واتساع أفقه إلى صخب المدن العتيقة، ومن دفء اللقاءات الإنسانية إلى الحنين الذي يرافق السفر عبر المتوسط.
وقام العرض على حوار متواصل بين الآلات، فلم تطغَ آلة على أخرى، بل تشكّلت الموسيقى من تداخل الأصوات وتكاملها، في انسجام يعكس الفكرة الأساسية للمشروع، وهي أن الاختلاف لا يعني التنافر.
وبينما تنقّل الغيتار بين جمل لحنية هادئة وأخرى أكثر كثافة، تولّى البيانو بناء المساحات الهارمونية التي ربطت بين المقاطع المختلفة ومنحتها انسيابية واضحة، وحافظ الباص على عمق الإيقاع وتماسكه، بينما قاد الدرامز التحولات الإيقاعية بسلاسة، متنقلا بين الإيقاعات اللاتينية والمتوسطية ولمسات الجاز الحديثة. أما الساكسوفون، فقد حمل الألحان الرئيسية تارة، ودخل في حوار مع الغيتار تارة أخرى، ليضفي على العرض دفئًا وحيوية، ويعكس روح السفر التي يقوم عليها مشروع "سيروكو".
ومن خلال الارتجال، الذي يشكل أحد مرتكزات الجاز، اكتسبت المقطوعات حيويةً متجددة، جعلت كل أداء مختلفًا عن سابقه، وأبقت باب التفاعل مع الجمهور مفتوحًا طوال العرض.
ولم يكن "سيروكو" مجرد استحضار لهوية متوسطية، بل كان دعوةً إلى إعادة التفكير في هذا الفضاء بوصفه مساحةً للتبادل الثقافي والإبداعي.
فالموسيقى هنا لا تكتفي بتوثيق الذاكرة، وإنما تمنحها حياةً جديدة، وتؤكد أن التراث يظل قابلًا للتجدد كلما انفتح على تجارب وأسئلة معاصرة.
وبهذا المشروع، واصل "ستريت جاز" تأكيد رهانه على تقريب الجاز من الجمهور، وتحويل شوارع طبرقة إلى منصات مفتوحة تلتقي فيها التجارب الموسيقية المختلفة، ليصبح الفضاء العام شريكًا في صناعة لحظة فنية تحتفي بالحوار وبالهوية المتوسطية في أكثر صورها انفتاحًا.




25° - 37°




