"أصول" وسفيان السعيدي يرسمان ملامح أخرى للجاز

في مسرح البحر، اقترح مشروع "أصول" لياسين بولعراس، ضمن برمجة مهرجان طبرقة للجاز، تأملًا في سيرة الجاز نفسها، وفي المسارات الطويلة التي قطعتها الموسيقى قبل أن تستقر في تسميات وهويات محددة.
فمن سواحل قرطاج إلى غرب إفريقيا، ومن هناك إلى نيويورك، لم تكن الرحلة جغرافية فحسب، بل كانت رحلة في الذاكرة، تستعيد ما فرقته الخرائط، وتعيد جمعه داخل لغة موسيقية واحدة، تُصغي إلى الماضي دون أن تتوقف عنده.
اختار عازف الساكسوفون ياسين بولعراس أن تكون البداية بإعادة تخيل A Night in Tunisia لديزي غيليسبي، في إشارة تحمل أكثر من دلالة.
فالمقطوعة التي حملت اسم تونس لعقود، تعود هنا إلى فضائها المتوسطي والإفريقي باعتبارها مادة حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل، وكأن المشروع يردّ المقطوعة إلى منابعها الرمزية، ليكتب فصلًا آخر من الحكاية، من الجنوب هذه المرة، حيث تختلط الذاكرة بالإيقاع، ويصبح التاريخ الموسيقي أقل يقينًا وأكثر انفتاحًا على الأسئلة.
ومع انسياب الموسيقى فوق ركح مسرح البحر، كانت ملامح المشروع تتكشف تدريجيًا. لم يكن "أصول" يقوم على مزج أنماط موسيقية متباعدة بحثًا عن غرابة صوتية أو تأثير استعراضي، بل على اكتشاف الخيوط الدقيقة التي تربط بينها.
فالانتقال من السطمبالي إلى الجاز، ومن المزود إلى الهيب هوب، ومن الشعبي إلى السول، جرى بانسيابية لافتة، حتى بدا وكأن هذه الموسيقات تستذكر بعضها بعضًا، وتستعيد قرابة قديمة أخفتها الحدود والتصنيفات.
هذا المزج لم يكن تقنيًا فحسب، بل امتدادًا لرؤية فنية، فكل انتقال إيقاعي كان يؤكد أن الموسيقى لا تعترف بالحدود التي رسمها التاريخ والسياسة، وأن الإيقاع الإفريقي ظل حاضرًا، بأشكال مختلفة، في كل هذه التعبيرات.
لذلك لم يسع المشروع إلى إنتاج صوت "عالمي" بالمفهوم الاستهلاكي للكلمة، وإنما إلى الكشف عن عالمية كامنة أصلًا في الجذور، حيث تتجاور الثقافات دون أن تلغي خصوصية بعضها.
على الركح، تجسدت هذه الفكرة في حوار متواصل بين الأصوات والآلات، إذ حضر الساكسوفون قائدًا للمسار، يفتح مساحات للآلات الأخرى، وينسحب حين يفرض الإيقاع حضوره، ويتقدم عندما تستدعي اللحظة مساحة من التأمل.
وفي علاقة متوازنة مع الغيتار، والباص، والكيبورد، والطبول، والآلات الوترية، تشكلت معًا طبقات صوتية غنية، لا تطغى فيها آلة على أخرى، بل تتكامل جميعها في بناء موسيقي واحد.
أما الأصوات، فقد منحت العرض أبعاده الإنسانية المختلفة، إذ حمل سفيان السعيدي دفء الراي الجزائري وروحه الحرة، لكنه لم يقدمه في صورته التقليدية، بل تركه يعبر نحو فضاءات الجاز والإيقاعات الإفريقية. وجاء الراب، الذي قدّمه مهدي WMD، ليؤكد أن التعبيرات الموسيقية المعاصرة ليست انفصالًا عن التراث، بل استمرار له بلغة جديدة، تحمل الإيقاع ذاته وإن اختلفت المفردات. وفي المقابل، انساب صوت نسرين جابر بهدوء وعذوبة، متنقلًا بين العربية الفصحى والعامية، ليمنح العرض لحظاته الأكثر شاعرية، ويوازن الطاقة الصاخبة للإيقاعات بمساحات من الصفاء والتأمل.
ولم يظل هذا الحوار الموسيقي حبيس الركح، فمنذ الدقائق الأولى، تماهى الجمهور مع إيقاع العرض، قبل أن يتحول التفاعل إلى جزء من المشهد نفسه، إذ تعالت التصفيقات مع المقاطع الارتجالية، وراحت الرؤوس والأجساد تتحرك على وقع النبضات الإفريقية، بينما رقص آخرون.
ومع انتهاء العرض، ظل صدى الإيقاع عالقًا في المكان، حيث عاش الجمهور تجربة فنية مختلفة، بين ارتجالات الساكسوفون، ونبضات الطبول، والأصوات التي عبرت بين الجاز والراي والراب وغيرها من التلوينات الموسيقية.




24° - 34°







