"قبو الحفصية" باكورة روائية للصحفي محمد أمين بن هلال : من "تأريخ اللحظة" إلى سرد الهامش

الصحفي هو "مؤرخ اللحظة"، كما يقول المفكر المغربي عبدالله العروي، فهو يرصد الأخبار من قلب الأحداث ويوثق التاريخ، ويحفظ الذاكرة الجماعية، محولاً التفاصيل اليومية إلى خبر وإلى حقيقة تنقل للعالم.

هذا التوثيق وحفظ الذاكرة لا يكون فقط عبر الإنتاجات الصحفية والمقالات المنشورة، بل يميل عدد من الصحفيين من أصحاب الأقلام الأدبية، إلى توثيق بعض التجارب والحكايات المروية في شكل قصص وروايات لا تخلو من سرد تخييلي، وهو ما اختار الصحفي محمد أمين بن هلال القيام به من خلال خوضه تجربة الكتابة الروائية وإصداره باكورة أعماله الأدبية تحت عنوان "قبو الحفصية" عن دار سيراس للنشر.

اختار الكاتب تصدير روايته بمقطع من قصيدة "أغنية قديمة" للشاعر بدر شاكر السياب ترمز إلى أزمات الذات وغربتها، يعتبر فيها الشاعر أن الناس كأجساد ميكانيكية تتحرك بلا روح، كما يشير إلى القدر الحتمي الذي يسخر من البشر ومن سعيهم العبثي في الحياة.

وليس من باب الصدفة اختيار الكاتب لهذه اللوحة الشعرية من قصيدة السياب التي تعكس غربة الإنسان الروحية حيث يتحول المكان العام (المقهى) إلى مرآة تعكس هشاشة الإنسان وقسوة الزمن.

فهذه الرواية، كما يقول صاحبها، مستوحاة من قصة أحد الأصدقاء ممن يجالسهم الكاتب في مقهى شعبي وسط العاصمة، وهي تروي أساسا قصة "سعيد راضي" البطل الرئيسي الذي لم يكن "سعيدا ولا راضيا"، فهو "يحاول جاهدا أن يجد عملا شريفا أو أقرب للشرف" (ص 33)، وقد جمع في طبعه مختلف المتناقضات، وحاول الخروج من واقعه نحو الملاكمة.

ومن خلال "سعيد" يسرد الكاتب اعتمادا على تقنية "الراوي العليم" قصص شخصيات هامشية تعيش في المركز (العاصمة)، وتحدث عن أشخاص "لا يعرفون من الدولة إلا العمدة والحرس"، متوجها بسهام النقد لنماذج ممن "إن أرادوا تثبيت تهمة صنعوا لها أدلة" (ص 94) فضلا عن نقد عديد الممارسات والظواهر الاجتماعية وطرح قضايا سياسية واقتصادية وبيئية منها "الحق في شرب مياه نظيفة دون الحاجة إلى اقتناء ماء القوارير".

كما انتقد الكاتب على لسان أبطال روايته الظلم واستغلال النفوذ والوساطة والمحسوبية وغيرها من الممارسات، قائلا على لسان أحد الشخصيات : "ما يجعلنا متخلفين يا سعيد هو الاهتمام بالصورة التي يجب علينا أن نعكسها، القشرة وليس اللب"(ص 34).

الرواية وردت في تسعة فصول، وكأنها إشارة إلى اكتمال نمو الجنين في تسعة أشهر، بما يحمله ذلك من رمزية النمو المتدرج وتطور الأحداث والشخصيات بشكل تدريجي إلى أن تبلغ ذروتها (العقدة/المخاض) قبل أن تختتم بالولادة، ولادة هذا العمل الروائي البكر الذي اختار صاحبه أن تكون نهايته مراوغة للقارئ وهو اختيار ذكي يحمل دلالة على "وهم الاكتمال" ويدفع نحو إعادة تفسير ما جرى ويجري حولنا من أحداث، في زمن "صرنا نسمي فيه الصادق ساذجا والخبيث ذكيا".

هذه الرواية الواردة في 144 صفحة من الحجم المتوسط، موشحة بغلاف يحمل صورة عيني امرأة تخفي بقية وجهها بقفاز ملاكمة أحمر اللون، بما يحمله هذا اللون من دلالات لها حضور في النص السردي، فضلا عن عنوان الرواية "قبو الحفصية" واسم كاتبها "محمد أمين بن هلال" الصحفي الذي يشتغل منذ سنوات في مجال الإعلام والاتصال والعلاقات العامة وصدرت له عديد المقالات في الصحف المكتوبة، فضلا عن مساهماته في برامج إذاعية ذات توجه ثقافي.

شارك:

إشترك الأن

تونس

24° - 34°
الثلاثاء34°
الأربعاء35°
< لمة صيف >
120 MINUTES
لمة صيف
شرفات المساء
نسمة عشية
صيفك على كيفك
أصايل
ربط مع إذاعة قفصة
شرفات المساء

شرفات المساء

17:00 - 20:00

ON AIR
< لمة صيف >
120 MINUTES
لمة صيف
شرفات المساء
نسمة عشية
صيفك على كيفك
أصايل
ربط مع إذاعة قفصة