عرض اوبرا "ديدون واينياس" يمهد لافتتاح مهرجان الجم للموسيقى السمفونية يوم 11 جويلية المقبل

قدّم مسرح أوبرا تونس بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي يومي 14 و15 ماي الجاري إنتاجا عالميا جديدا لأوبرا "ديدون وإينياس" للمؤلف الإنقليزي هنري بورسيل، حظي باستحسان واسع وتصفيق حار من الجمهور، في عرض سيكون افتتاحا رسميا للدورة التاسعة والثلاثين للمهرجان الدولي للموسيقى السمفونية بالجم يوم 11 جويلية المقبل، بالمسرح الأثري المصنف ضمن التراث العالمي لليونسكو.
وجرى تقديم العرض الأول، مساء الخميس، بحضور وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، ومدير مسرح الأوبرا سيف الله طرشوني، إلى جانب عدد من السفراء والشخصيات الثقافية والدبلوماسية.
ويجمع هذا العمل الفني بين باليه وكورال أوبرا تونس، وعازفين من أوركسترا تونس، إضافة إلى موسيقيي الباروك من الفرقة الفرنسية (Les Épopées)، في اطار تعاون فني تونسي فرنسي متواصل.
وفي كواليس العمل، قدم أعضاء الفريق الفني لوكالة تونس افريقيا للانباء قراءاتهم لهذه التجربة الابداعية، مؤكدين انها لا تقتصر على اعادة تقديم نص اوبرالي من القرن السابع عشر، بل تسعى أيضا إلى ابراز أوجه التقاطع بين مضامينه وقضايا الواقع المتوسطي الراهن، بما يشمله من هجرة ونزوح وصراعات وتحولات اجتماعية
قراءة جديدة لأسطورة ديدون بين الماضي والحاضر
تستند الأوبرا، التي عرضت لأول مرة في لندن حوالي سنة 1689، إلى قصة مأساوية مستوحاة من ملحمة الإنيادة لفرجيل، وتروي حكاية الملكة القرطاجية ديدون وصراعها بين الحب والواجب إثر تعلقها بالأمير الطروادي إينياس.
وأدت السوبرانو التونسية نسرين مهبولي دور "ديدون"، معتبرة أن الشخصية "تمثل امرأة قوية تحكم مملكة واسعة لكنها تضطر إلى التضحية بمشاعرها للحفاظ على قوة قرطاج"، في قراءة تستحضر أبعادا من الهوية المحلية التونسية.
أما شخصية "إينياس"، فقد قدمت بصيغتين صوتيتين مختلفتين، حيث جسدها مساء الخميس الباريتون هيثم الحضيري، فيما أدى الدور مساء الجمعة التينور خليل سعيد، الذي أوضح أن اختلاف الطبقة الصوتية ينعكس على الأداء الموسيقي والإيقاع التعبيري للشخصية.
الهجرة والتضليل… إسقاطات معاصرة على الأوبرا الباروكية
واختار المخرج اللبناني عمر راجح المزج بين الأوبرا الباروكية والرقص المعاصر لإعادة قراءة العمل في ضوء التحولات الراهنة، متسائلا: "من تكون ديدون اليوم؟ هل هي لاجئة فرت من حرب أهلية؟ ما زال الناس إلى اليوم يهربون عبر البحر من الدمار".
كما أعاد المخرج صياغة صورة "الساحرات" الواردة في النص الأصلي، معتبرا أن الشر في العصر الحديث قد يتمثل في "التلاعب بالمعلومات والتضليل"، بدلا من القوى الخارقة كما في الأساطير القديمة.
من جانبه، أكد قائد الأوركسترا ومدير فرقة Les Épopées، ستيفان فوغي، أن العمل تطلب جهدا كبيرا في تدريب الموسيقيين التونسيين على خصوصيات الأداء الباروكي، مشيرا إلى أن المشروع مثل أول تجربة له في تونس بعد أكثر من شهر ونصف من البروفات المشتركة.
مشهد الوداع الأخير… ذروة التأثير العاطفي
ويبلغ العمل ذروته الدرامية مع قرار إينياس مغادرة قرطاج، لتواجه ديدون مصيرها منفردة في مشهد الوداع الأخير، حيث تؤدي مرثيتها الشهيرة مطالبة العالم بألا ينساها.
وخلال العرض الثاني، انضمت السوبرانو الفرنسية كلير لوفيياتر إلى الأداء، مقدمة مقطع ""The Plaint، فيما أقرت نسرين مهبولي بأن المشهد الأخير كان مؤثرا إلى حد أنها "بكت فعلا أثناء أداء موت ديدون"، مؤكدة صعوبة الفصل بين مشاعر الفنان والشخصية المسرحية.
مسيرة فنية غير تقليدية
وتضم قائمة المشاركين أيضا ليليا بن شيخة في دور "بيليندا"، ومرام بوحبال في دور "الساحرة"، إلى جانب وجد عكرو وأميمة بن عمار.
وتعكس تجربة نسرين المحبولي انفتاح هذا الإنتاج على مسارات فنية متنوعة، إذ بدأت مشوارها الموسيقي في سن الخامسة عشرة بعزف الغيتار ضمن موسيقى "الميتال السيمفوني"، قبل أن تتجه إلى الغناء الأوبرالي، وهي اليوم مغنية ضمن مجموعة "قرطاغو"، التي أعدت عملا موسيقيا مستوحى من شخصية ديدون.
تعاون ثقافي تونسي فرنسي
ويأتي هذا الإنتاج الجديد بعد نجاح مسرح الأوبرا في تقديم "كارمن" سنة 2024 و"لا ترافياتا" سنة 2025، بدعم من وزارتي الشؤون الثقافية والمالية، والمعهد الفرنسي بتونس، ومؤسسة أورنج.
وأكدت المديرة المساعدة للمعهد الفرنسي بتونس، لوريان دوفواز، قبل انطلاق عرض الجمعة، أن المشروع يجسد "عدة أشهر من العمل المشترك ونقل الخبرات والإبداع بين تونس وفرنسا"، مضيفة أن الإنتاج جمع نحو 140 فنانا وتقنيا.
ويتزامن هذا الحدث مع افتتاح موسم المتوسط بمرسيليا، الذي تعد تونس ضيف شرفه إلى غاية 15 أكتوبر المقبل، فيما ستكون المحطة القادمة لأوبرا "ديدون وإينياس" بالمسرح الروماني بالجم، في لقاء رمزي بين الأسطورة القرطاجية والأرض التي ارتبط بها ميلادها التاريخي.




12° - 25°






