تونس مسارح العالم : العرض التركي "آخر إنسان" يستنطق عزلة الإنسان وتشظي ذاته

 احتضنت قاعة الفن الرابع بالعاصمة مساء أمس عرضا مسرحيا من تركيا بعنوان "آخر إنسان" وذلك ضمن فعاليات الدورة الرابعة لتظاهرة تونس مسارح العالم التي ينظمها المسرح الوطني التونسي منذ 27 مارس وتختتم يوم غد 3 أفريل.

 

المسرحية، من تأليف "ديريم تشيراي" وإخراج "بينار كارايال"، تنتمي إلى ما يمكن تصنيفه ضمن مسرح "ما بعد الكارثة"، إذ ارتكزت على فرضية عالم مدمر لم يتبقّ فيه من الإنسان سوى آثار ذاكرته وهشاشة وجوده. غير أن العمل لا ينشغل بسرد وقائع هذا الدمار بقدر ما يركز على نتائجه الكارثية خاصة تلك المرتبطة بتفكك المعنى وانهيار القدرة على التواصل وفق ما جاء في بلاغ عن المنظمين.

 

ومن هذا المنطلق، تظهر في "آخر إنسان" ثلاث شخصيات تمثل مواقف إنسانية متباينة، إذ تجسّد الشخصية الأولى انغلاق الذات على نفسها في محاولة للحماية، بينما تمثّل الشخصية الثانية نزوعا مستمرا نحو الآخر رغم استحالة التواصل، في حين تضطلع الشخصية الثالثة بوظيفة معقدة نسبيا إذ تحضر كصوت للذاكرة الجماعية أو كأثر حي لما تبقى من إنسانية مثقلة بالماضي.

ومن خلال هذا التوزيع، تتراجع فكرة "الصراع الدرامي" بين الخير والشر بمعناها الكلاسيكي، لتحل محلها حالة من التوازي الوجودي القائم على العجز عن الالتقاء والتواصل.

 

وهنا تتجلى إحدى أهم أفكار هذا العمل في معالجته لمسألة اللغة، إذ يصورها كأداة فقدت فاعليتها بعد الكارثة. فالكلمات التي كانت تؤدي دور الوسيط بين الذوات لم تعد خاصية مميزة للإنسان وبها تتحقق إنسانيته ولم تعد قادرة على إنتاج المعنى، وهو ما يحيل إلى سؤال أشمل وهو هل يمكن للإنسان أن يظل إنسانا حين تفقد اللغة وظيفتها؟

 

ومن هنا تحيل المسرحية على فكرة أن الانهيار الحقيقي لا يكمن في الخراب المادي وإنما في تآكل البنية الرمزية التي تنظّم العلاقة بين البشر وهو ما يجعله يفقد إنسانيته وينحدر إلى مرتبة حيوانية.

 

وبخصوص الرؤية الإخراجية تم الاعتماد في هذا العمل على فضاء ركحي يميل إلى العزلة والانغلاق والتقوقع والجمود في انسجام تام مع حالة عدم التواصل. ولإبراز هذه المعاني جاءت الإضاءة خافتة مما جعل مساحة العرض أقرب إلى فضاء معزول أو ملجأ خارج الزمن. وقد ساهم تصميم الديكور ببساطته وتركه مساحات فارغة، في إبراز عزلة الشخصيات.

واختار صاحب العمل اعتماد أسلوب التكرار كخيار جمالي ودلالي في الآن ذاته. فقد تكررت بعض المشاهد والمواقف بشكل لافت، خاصة تلك المرتبطة بالموت والعنف والمعاناة في محاولة لترسيخ صورة الصراع في ذهن المتلقي، وإبراز الحالة النفسية لشخصيات العمل التي اتسمت بالتشتت والانقسام.

 

وفي لحظة مساءلة الإنسان لنفسه، لا يُغلق العمل على نهاية حاسمة وإنما يترك المتلقي أمام سؤال مفتوح حول معنى الوجود الإنساني في غياب الآخر.

شارك:

إشترك الأن

تونس

10° - 14°
الجمعة17°
السبت17°
العشوية على الوطنية
PROGRAMME ITALIEN
بساط الشعر
 إذاعة الزيتونة
ECHO SPORT
أنوار الغروب
دليل الفلاح
ملفات
إذاعة القصرين
بساط الشعر

بساط الشعر

16:00 - 17:00

ON AIR
العشوية على الوطنية
PROGRAMME ITALIEN
بساط الشعر
 إذاعة الزيتونة
ECHO SPORT
أنوار الغروب
دليل الفلاح
ملفات
إذاعة القصرين