دار المنستيري بالمدينة العتيقة : معلم تاريخي يستعيد إشعاعه عبر فنون الخط العربي والزخرفة الإسلامية

بين أزقة المدينة العتيقة بتونس، دخولا من باب سويقة في اتجاه سوق سيدي محرز، حيث تمتزج روائح البخور والعطور في أرجاء السوق، مع صدى أصوات الباعة وحركة العابرين، وفي منعطف على اليمين، تتمركز "دار المنستيري"، أو "المستيري" كما يحلو للبعض تسميتها، شاهدة على ثراء المعمار التونسي وتعدد روافده الحضارية.
هذه الدار التي تقع في نهج المنستيري عدد 9، (في نهج على اليمين، عبارة عن موسط عمودي لنهج سيدي محرز) محاطة بعدد من المنشآت الدينية منها جامع محمد باي المُسمى أيضا بجامع سيدي محرز لتمركزه قُبالة مقام الولي الصالح "سيدي محرز"، وهو محرز ابن خلف الذي يلقبه التونسيون بـ"سلطان المدينة"، تُعد إحدى أبرز معالم العمارة التونسية في مطلع القرن التاسع عشر، وهي من ضمن المعالم التاريخية المكونة لمدينة تونس العتيقة المسجلة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ سنة 1979.
هدية من البايات إلى أحد الأعيان
شُيّدت الدار في عهد محمود باي (1814-1824)، ويُنسب بناؤها إلى ابنه الأمير حسين الذي أهداها إلى محمد المنستيري، وهو أحد أعيان المدينة وصهره، وقد كان من كبار الشواشين (أي الحرفيين الذين يصنعون الشاشية التونسية). وقد وثّق الباحث والمهندس الفرنسي Jacques Revaultتاريخ هذا المعلم وخصائصه ضمن كتابه المرجعي Palais et demeures de Tunis XVIIIe et XIXe siècles/ (قصور وديار مدينة تونس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) وتحديدا في المجلد الثاني الصادر سنة 1983، حيث أبرز القيمة المعمارية لهذه الدار ضمن شبكة القصور والديار الكبرى في تونس خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وأشار ريفو في كتابه إلى أن المؤرخ ابن أبي الضياف أورد في أحد مؤلفاته أن محمد المنستيري كان من أعيان المدينة، يمارس تجارة "الشاشية"، وكان صهرا لحسين باي ابن محمود باي، وتقلّد مناصب عليا، إلى أن توفّي في سنة 1821 . وقد ورث هذا البيت ابنه الذي كان يحمل ذات اسم والده ويشتغل هو الاخر في تجارة الشاشية.
تبين الصور الأصلية لمعلم دار المنستيري التي أدرجها "جاك ريفو" في كتابه، أنها كانت تحتوي قديما على نافورة، تمت إزالتها في ما بعد، علما أن الدار انتقلت ملكيتها تاريخيا إلى الورثة عبر الأجيال. ويقول ريفو في كتابه إنها وبعد تنقل ملكيتها أصبحت في جزء منها ملكًا للدولة وجزء آخر ملك لعائلة تونسية "الفراتي" والتي أجرت عليها، في أواخر القرن التاسع عشر، إصلاحات كُبرى من جهة نهج المنستيري.
وخضع هذا المبنى إلى تغيرات أخرى اضطرارية جاءت نتيجة الاستيلاء على بعض الأجزاء منه في فترات زمنية متعاقبة فالدار كانت في سياق ما وتحديدا قبل الترميم مهملة، فتم الاستحواذ على مقصورتين وغرفة صغيرة خلفية منها، حسب ما صرح به مدير عام المركز الوطني لفنون الخط، الذي يُرجح أيضا أن المنزل كان يحتوي على إسطبل للخيول وجناح للخدم لأن مختلف بيوت الأعيان آنذاك كانت تضم هاذين العنصرين باعتبار أن الدواب هي وسيلة التنقل الأساسية آنذاك
خلال العشرية الثانية من القرن العشرين وتحديدا منذ تاريخ 25 جانفي 1922 تم ترتيب الدار كمعلم أثري وطني، لتتحوّل بذلك إلى فضاء عمومي ذي طابع ثقافي حيث احتضنت عديد الأنشطة وتعاقبت عليها عديد الإدارات بدءا بتحولها إلى مقر لمعهد للفنون والمهن في 1924، ثم إلى مقر لديوان تدريس الصناعات التقليدية سنة 1933، فمقرًا للمركز الجهوي للفنون التونسية سنة 1940. وبعد ترميمها سنة 1992 من قبل خبراء المعهد الوطني للتراث، عادت الدار لتلعب دورا هاما في المشهد الثقافي حيث أصبحت سنة 2007 مقرا للمركز الوطني للترجمة، قبل أن تصبح منذ 2017 إلى اليوم مقرا للمركز الوطني لفنون الخط، وذلك حسب ما أكد مدير المركز الوطني لفنون الخط ومحافظ رئيس للتراث بالمعهد الوطني للتراث، ياسين المقراني، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء
الخصوصيات الهندسية والمعمارية للدار
إن زيارة دار المستيري تعادل رحلة عبر الزمن ينتقل خلالها الزائر من العصر الحديث إلى حقبة تاريخية عُرفت بجمال قصورها ومبانيها التي كانت تُحاكي واقع الطبقات البرجوازية في تونس، فبمجرد الوقوف أمام هذه الدار/القصر يجد المرء نفسه أمام بوابة خضراء اللون تنقسم إلى جزأين ويتوسطها باب صغير كان يُطلق عليه قديما في تونس "باب الخوخة" وكان يُستعمل لتسهيل عملية الدخول والخروج من المنزل دون الحاجة إلى فتح الباب الكبير على مصراعيه. وقد وصف جاك ريفو في مرجعه هذا الباب بأنه مثبت بثلاث حلقات حديدية ثقيلة، وتزينه زخرفة معدنية تقليدية تقوم على خطوط أفقية وعمودية، مع عناصر منقوشة مثل الهلال والنجوم والأقواس المعكوسة وغيرها، وتحيط به الزخرفة الحجرية.
تتكون الدار من طابقين، ويتوسطها فناء واسع يتكون من عمودين بثلاثة أقواس وتتفرع عنه "سقيفة مقبّبة" ذات نقوش متميزة، ويطغى على المنزل اللون الأخضر الذي يُزين مختلف أبواب الدار وخشب المشربيات. والمشربيات، يُطلق عليها أيضا اسم "القنارية"، تُصنع من الخشب المنقوش والمزخرف وهي عنصر معماري تقليدي صحراوي، ويعود ظهورها إلى القرن السادس هجري وقد ازدهرت في المشرق الإسلامي وانتقلت إلى الفضاء المغاربي، وتتمركز بالطابق العلوي من الدار.
وتعد المشربيات من أبرز خصوصيات العمارة العربية الإسلامية، إذ تهدف إلى المحافظة على خصوصيات أهل الدار وحرمة المنزل حتى لا يكون مكشوفا للمارة، وفي الآن ذاته تمكن المقيمات به من الاطلاع على ما يدور في الفضاء الخارجي، فضلا عن مساهمتها في تهوئة الدار.
بين الزخرفة الإسلامية والمعمار الفارسي
تحتوي دار المنستيري على صنفين من الغرف، الأول بسيط لا تختلف خصائصه المعمارية عن تلك التي تُبنى خلال العصر الحالي بشكلها المستطيل، أما الثاني فيتمثل في غرف تحمل شكل الحرف اللاتيني "T" وتُعرف أيضا باسم "الايوان" نسبة للعمارة الفارسية، وقد بُنيت بهذا الشكل لمراعاة خصوصيات العائلات المركبة إذ ينقسم الايوان إلى غرفة مركزية للأبوين لها مدخل مسقف بقوس نصف دائري من الرخام المزخرف، وتتفرع عنها "مقصورتان" بمثابة غرفتين للأبناء، ويتميز سقف الايوان بشكل عام بالزخارف التي تُحيل على الطابع المعماري الإسلامي.
ويشير ياسين المقراني في لقاء مع "وات" إلى أن من أهم الخصائص المعمارية لهذه الدار ولغيرها من المنازل العتيقة المشيدة في تلك الفترة، احتواءها على عناصر لتجميع الثروة المائية بطرق تقليدية وتحديدا 3 مواجل كما يُرجح المُقراني أن يكون بها قديما بئر لأن من بنوا هذه القصور كانوا يولون اهتماما خاصا لمصادر تجميع المياه، كما ثمن المقراني أيضا بناء جدران المنزل بسمك يُقارب المتر مما يجعلها تحافظ على مُناخ بارد خلال الصيف ويحفظ الحرارة خلال الشتاء.
يهيمن على الدار تآلف لوني أخضر وأصفر في كسوة الجدران الخزفية، بزخارف تقليدية من بينها "عفسة صيد" و"جناح خطيفة"، في تأثر واضح بالمدرسة الموريسكية الأندلسية. ويتعزز إشعاع هذه الألوان بفضل بياض الرخام والجبس الذي يعد من أبرز ملامح هذا المعمار.
وحول مدى المحافظة على أصالة أشكال الخزف والخشب الموجود في الدار بعد ترميمها، أشار مدير المركز الوطني لفنون الخط وهو المختص في التاريخ، إلى أن الخبراء عملوا على المحافظة على الطابع الأصلي للدار من خلال ترميم الخزف والخشب التالف بقطع شبيهة وتحمل نفس الأشكال الأصلية حتى أنه يصعب على الناظر التمييز بين القطع المرممة والأصلية
دار المنستيري اليوم: قبلة للمولعين بفنون الخط العربي والزُخرفة الإسلامية
منذ أن أصبحت مقرا للمركز الوطني لفنون الخط، تحولت دار المستيري إلى قبلة للمولعين بفنون الخط العربي والزخرفة الإسلامية ممن آثروا تعلم تقنيات هذه الفنون، إذ يستقبل المركز سنويا عشرات الطلبة من فئات عمرية ومستويات تعليمية مختلفة، لتلقي تكوين على مدى ثلاث سنوات في عدد من الخطوط العربية على غرار خط "الرقعة" و"الديواني" وخط "النسخ" و"الثلث" والخط المغربي والزخرفة الإسلامية، فضلا عن احتضانه لعديد الفعاليات والمعارض والورشات التي تهدف إلى التعريف أكثر بفنون الخط وتثمينها والانفتاح على التطورات التكنولوجية في مجال رقمنة الخط العربي حتى لا يبقى جامدا ويواكب العصر، سيما وقد حرصت تونس على تقديم ملف مشترك (بالشراكة مع 15 دولة) وساهمت في تسجيل عنصر الخط العربي على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي (في 14 ديسمبر 2021).
وفي إطار مزيد تثمين هذه الفنون، يسعى القائمون على هذا الفضاء اليوم إلى تحويله إلى متحف للنقائش الإسلامية، بحسب المقراني، بما من شأنه أن يُساهم في تحويل الدار من معلم تاريخي وتراثي، إلى فضاء ينبض بروح الثقافة التونسية ويربط بين المعمار والهوية وبين الذاكرة والإبداع.




11° - 19°





