دار الأصرم بمدينة تونس العتيقة: معلم أثري وتحفة معمارية شاهدة على ازدهار تونس مطلع القرن 19

بين أزقة المدينة العتيقة المتشابكة وثناياها، يتجلى معلم دار الأصرم في نهج "التريبونال" شامخا بواجهته الحجرية العالية والمصقلة بأجود أنواع الرخام، ليروي بصمت حكاية قرنين من التاريخ التونسي. ولا يختزل هذا المعلم الفريد من نوعه من حيث التصميم الهندسي والزخرفة والمصنف من أجمل قصور الحاضرة سيرة أسرة عريقة فحسب، وإنما يجسّد أيضا مرحلة ازدهار اقتصادي وسياسي عاشتها البلاد التونسية نهاية القرن 18 مطلع القرن 19 في عهد حمودة باشا الحسيني (26 ماي 1782 - 15 سبتمبر 1814) ووزيره الأكبر يوسف صاحب الطابع (1765 - 1815).  ولا يقتصر حضور دار الأصرم اليوم على بعدها التاريخي، إذ تم إدراجها ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي كجزء من مدينة تونس العتيقة وذلك سنة 1979، فقد تحول هذا القصر الفخم إلى أحد أهم الفضاءات الثقافية في العاصمة، التي تفتح أبوابها سنويا لتحتضن عدة عروض من مهرجان المدينة بتونس خلال شهر رمضان المعظم، فتستعيد أروقتها وصحنها المركزي جانبا من الحياة كما كانت في زمن الأعيان والوجهاء، بعد أن أصبح القصر على ملك الدولة التونسية وتحوّل منذ سنة 1969 إلى مقر لجمعية صيانة مدينة تونس.

 عائلة الأصرم: جذور يمنية استقرت في القيروان قبل العاصمة  تنحدر عائلة الأصرم من أصول يمنية، وهي من أعرق عائلات "البلْدية" (سكان الحاضرة الأصليين) التي استقرت بتونس. وتشير المعطيات التاريخية إلى أنها حلّت أولا بالقيروان قبل أن تستقر نهائيا بالحاضرة الحسينية. وقد ارتبط صعودها بخدمة الدولة، إذ شغل أحد أجدادها خطة "خوجة" أو رئيس عسكر الزواوة في عهد حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية سنة 1705.  غير أن القصر القائم اليوم ارتبط أساسا بحمودة الأصرم، هذا الرجل الثري وصاحب الأراضي والممتلكات والموظف السامي في الجيش، الذي تولى أيضا قيادة حرس الزواوة. وقد شيّد هذا القصر الفخم بين سنتي 1812 و1819، في حي كان قد أصبح منذ العهد التركي ثم الحسيني موطنا للباشاوات وكبار موظفي المخزن والأعيان.  وتزامن تشييد دار الأصرم الممتدة على على مساحة 2250 متر مربع، مع واحدة من أزهى الفترات الاقتصادية في تاريخ الإيالة التونسية. ففي عهد حمودة باشا الحسيني، وبدفع قوي من يوسف صاحب الطابع، شهدت البلاد انتعاشة تجارية لافتة أفرزت طبقة جديدة من التجار التونسيين الذين راكموا ثروات هامة إثر صفقات كبرى كانت تُبرم داخل العاصمة.

ويؤكد الأستاذ الشاذلي بن يونس، رئيس جمعية مهرجان المدينة بتونس، في لقاء مع وكالة تونس إفريقيا للأنباء "وات"، أن اختيار هذا الموقع "لم يكن اعتباطيا، فبعد أن أصبحت تونس العاصمة الفعلية للبلاد ومركز الحكم، كان من الطبيعي أن يسعى الأعيان والمقربون من السلطة إلى بناء مقراتهم في قلب الحاضرة قرب دوائر القرار والعلم".  ويشير الشاذلي بن يونس إلى أن الفترة التي حكم فيها حمودة باشا الحسيني، عرفت ازدهارا اقتصاديا كبيرا انعكس مباشرة على الحركة العمرانية، حيث ارتفعت قيمة الزخرفة وجودة المواد المستعملة في البناء خاصة لدى التجار والأعيان. وأكد أن هذه المرحلة مثّلت لحظة تنافس رمزي بين العائلات الكبرى لإبراز مكانتها عبر تشييد قصور تجمع بين الفخامة والابتكار المعماري. "غير أن هذا المدّ العمراني لم يدم طويلا، فبعد مقتل يوسف صاحب الطابع ووفاة حمودة باشا تراجع نسق تشييد القصور الفخمة ودخلت البلاد مرحلة مختلفة اقتصاديا وسياسيا".

 تحفة معمارية عربية تمزج زخرفتها بين الطابع الأندلسي والعثماني والتونسي التقليدي

أما عن المميزات الهندسية لدار الأصرم، فهذا المعلم الذي يلفت إليه الأنظار عند الانعطاف في نهج التريبونال، تنكشف واجهته بمدخل القصر المرتفع عن مستوى الشارع بدرج حجري ثم الباب المسمّر داخل قوس حجري، ويعلوه طابق بارز يرتكز على "كوابيل" حجرية متدرجة (قطع حجرية تبرز من الجدار لحمل وزن طابق علوي أو شرفة) في إحالة واضحة على نماذج من المعمار القيرواني.

ويتألف القصر من ثلاثة طوابق واضحة الوظائف: طابق تحت أرضي خُصّص للأنشطة اليومية وطابق أرضي مرتفع قليلا أُعدّ للسكن، إلى جانب طابق علوي مخصّص للضيوف. ويتوسّط هذه الوحدات فناء رئيس كما هو الشأن في معظم مساكن المدينة العتيقة، بما يوفر الخصوصية والانسجام الداخلي ويجعل الفناء قلب الحياة العائلية والاجتماعية.  

وقد وصف الباحث الفرنسي "جاك ريفو" في كتابه المرجعي "Palais et demeures de Tunis XVIIIe et XIXe siècles" (قصور وديار مدينة تونس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) والصادر سنة 1971، واجهة معلم دار الأصرم بأنها "متناسقة المقاييس ومثيرة للإعجاب"، لافتا إلى أن القصر كان "محل انبهار وحديث الجميع في كامل المدينة لفخامته وجماله الداخلي والخارجي".

ويشير "ريفو" إلى أن بناء القصر استوجب هدم عدد من المنازل ومصنع تبغ قديم لتوفير المساحة اللازمة، مرجّحا أنه تم الإبقاء على بعض العناصر كالصهاريج والمخازن ودمجها في المشروع الجديد.

ومن الخصائص المعمارية اللافتة في دار الأصرم أن ملحقاتها السفلية (المخازن) لا تقع على هامش المبنى، فهي تشكّل قاعدة حاملة للوحدات السكنية العلوية. وهي قائمة أساسا على جدران سميكة ودعامات حجرية ضخمة وأقبية نصف إسطوانية ومتقاطعة تحمل فوقها صحن الدار والغرف.

وقد كان المخزن الكبير المحاذي للدار، يضم إسطبلات ومستودعات للحبوب والزيت وربما معصرة أو طاحونة، بالإضافة إلى صهاريج المياه (الماجل) في أسفله، بحسب "ريفو". وكانت هناك بنايات أخرى مخصصة للدواب والماشية بين الدويرية (دار صغيرة محاذية للدار الكبيرة) ونهج سيدي إبراهيم الرياحي، قبل أن تُهدم لاحقا وتتحول إلى بستان برتقال.

ويترجم هذا التداخل بين الوظيفة الاقتصادية والسكنية نمط عيش الأعيان في تلك الفترة، حيث كان القصر فضاء شاملا للحياة اليومية من تخزين المؤونة إلى استقبال كبار الضيوف. وخضع مخزن الدار في شهر ديسمبر سنة 1974 إلى عملية تهيئة وترميم تحوّل بمقتضاها إلى نادٍ ثقافي يحمل اسم المفكر والمصلح الاجتماعي ونصير المرأة الطاهر الحداد (1899 - 1935).

يتم الدخول إلى دار الأصرم عبر "الدريبة"، وهي عبارة عن بهو مستطيل بسقوف متقاطعة ترتكز على أعمدة رخامية ذات تيجان حفصية الطراز. ويوجد على يمين المدخل "بيت الدريبة" أو "غرفة السهرات"، حيث كان رجال الأسرة يستقبلون أصدقاءهم وحيث تُدرّس أحيانا العلوم القرآنية للأطفال. أما على اليسار فيوجد درج يؤدي إلى دار الضياف. وخلف باب تقليدي مقسّم إلى ألواح منحوتة، ينكشف الصحن الرئيسي تدريجيا محاطا بأروقة ذات أعمدة رخامية وتيجان. ويكسو الأرضية رخام إيطالي من أجود الأنواع وتتزين الجدران بخزف تونسي متعدد الألوان، بينما تتعاقب أقواس مستقيمة ومنحنية بزخارف أندلسية مغاربية. ويؤكد الشاذلي بن يونس أن زخرفة الدار تمثل مزيجا معماريا بين الطراز الأندلسي والعثماني والتونسي التقليدي، مع استلهام واضح من الهندسة الإيطالية، خاصة في الأسقف الخشبية المنقوشة والمذهّبة.

 

 توزيع الغرف والقاعات الكبرى ووظائفها

 وتركزت الغرف الأربع الرئيسية حول الصحن في توزيع يشبه "السرايا". وتحافظ غرفتان جانبيتان على التخطيط الكلاسيكي على شكل حرف "T"، بينما تستلهم قاعة مستطيلة في الجهة الجنوبية الشرقية نموذج "بيت الفطور" بدار الباي وقاعة المرايا بقصر بباردو، بأقواسها المزخرفة المذهّبة وأعمدتها الصغيرة وسقفها الخشبي المزركش بالرسوم.

أما القاعة الكبرى، ذات التخطيط بثلاثة أقبية وأربع مقصورات، فيرجّح "ريفو" أنها استلهمت من بيت الباشا في قصر باردو كذلك، بما تعكسه من فخامة واتساع بهذه القاعة الكبرى. وتحيط بهذه القاعة غرفتا استراحة كانتا تطلان على حديقة مزروعة بأشجار البرتقال والنخيل والتين، وفق ما دوّنه الباحث الفرنسي "جاك ريفو" في مؤلفه المرجعي.  ويصف "ريفو" خصائص "دار الضياف" بمعلم دار الأصرم، مشيرا إلى انها شُيّدت في طابق علوي بارز يُطلّ على الشارع، وفق العادات التونسية. وهي دار تتميّز بدرج مستقل عن الدريبة. ويتوسّطها صحن صغير تحيط به أعمدة رخامية وخزف ملون وغرفة تطل بـ 6 نوافذ على الشارع كانت توفر للضيوف إطلالة بانورامية على أسطح المدينة وحركتها.

أما "الدويرية" أو "دار الخدم"، فكانت في مستوى أدنى وتضم المطبخ وغرف الخدم. ويصفها "ريفو" بأنها كانت تعج بالحركة منذ الفجر، إذ تُسمع أصوات الأواني النحاسية وتشتمّ روائح التوابل، إلى جانب حضور "العبيد" خاصة ذوي البشرة السوداء الذين كانوا في خدمة الأسرة في مشهد يعكس الطبقية الاجتماعية لذلك العصر، علما أن تونس كانت سبّاقة منذ أواسط القرن 19 في إلغاء العبودية وإصدار أمر عليّ من قبل أحمد باي يقضي بإلغاء الرق وعتق العبيد يوم 23 جانفي سنة 1846.  وقد حرص مؤسسو الدار على تحبيسها (وقفها، أي جعلها من الأحباس) لتفادي تقسيمها وضمان صيانتها، وهو ما ساهم في بقائها بحالة جيدة نسبيا. وقد سكنت الأسرة القصر إلى حدود سنة 1964، قبل أن تقتنيه بلدية تونس سنة 1968 إثر عرضه للبيع من قبل الورثة، وتسنده منذ 1969 إلى جمعية صيانة مدينة تونس التي تتخذ منه إلى اليوم مقرّا يستضيف سنويا خلال شهر رمضان جانبا كبيرا من سهرات مهرجان المدينة بتونس.

شارك:

إشترك الأن

تونس

10° - 22°
السبت22°
الأحد21°
ليالي القمر
مقامات التجلي
مقامات التجلي

مقامات التجلي

00:00 - 01:00

ON AIR
ليالي القمر
مقامات التجلي