أيام قرطاج لفنون العرائس 2026: عرض "الرحلة" لحبيبة الجندوبي... حكاية امرأة تقاوم الألم وتتشبث بالحياة

احتضنت قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة مساء الجمعة 6 فيفري عرضا عرائسيا موجها للكهول حمل عنوان "الرحلة"، وهو عمل من إنتاج "دمية للإنتاج" للفنانة العرائسية حبيبة الجندوبي.
وقد سجل هذا العرض الذي يتنزل ضمن فعاليات أيام قرطاج لفنون العرائس في دورتها السابعة (1 - 8 فيفري 2026) حضور مجموعة من كبار السن المقيمين بمؤسسة رعاية المسنين بقمرت.
ودامت "الرحلة" 40 دقيقة ويندرج ضمن عروض الماريونات والفنون البصرية، لكنه يتجاوز الشكل العرائسي الكلاسيكي مقدما تجربة مسرحية تعتمد على الصورة والتعبير الجسماني. ويحكي العمل قصة امرأة أُصيبت بسرطان الثدي، فتدخل في رحلة قاسية من المعاناة الجسدية والنفسية يتداخل فيها الألم مع الخوف والوحدة مع الإحباط، في مواجهة طويلة مع المرض ونظرة المجتمع المحيط بها.
ويطرح العرض من خلال هذه "الرحلة" تساؤلات حول القدرة على تجاوز الألم وإمكانية استعادة الأمل بعد عزلة طويلة ومدى تأثير المحيط الاجتماعي في مسار الشفاء أو تعميق الجراح. أما على مستوى الخصائص الفنية المميزة للعرض، فإن "الرحلة" تقوم على مقاربة تجريبية واضحة تمزج بين فن العرائس والكوريغرافيا والاشتغال البصري بمقاربة تجريبية خالصة. وتبرز شخصية المرأة في أغلب مشاهد العرض ملفوفة بالقماش الأبيض في صورة جعلتها تبدو أقرب إلى شرنقة بشرية. وهذه الشرنقة تحيل في رمزيتها إلى الانغلاق والعزلة التي تفرضها تجربة المرض، كما تحمل أيضا دلالة التحول بين الموت والحياة والعزلة والتحرر، وهو ما ينسجم مع رحلة المرأة التي تنكفئ على ذاتها لتعيد تشكيل علاقتها بجسدها وبالعالم من حولها.
أما اللون الأبيض الذي يهيمن على السينوغرافيا والملابس، فيحمل بدوره رمزية مزدوجة. فهو من جهة لون المستشفى والضمادات والهشاشة الجسدية، ومن جهة أخرى هو لون النقاء والبدايات الجديدة. وهذا التناقض البصري يعكس الحالة النفسية للشخصية الرئيسية العالقة بين الإحساس بالضعف والرغبة في الشفاء وبين الاستسلام والمقاومة. كما تتحرك حولها دمى ذات ملامح بشرية مشوهة أو مبسطة وهي تبدو كأنها أصوات داخلية أو تمثيلات رمزية للمجتمع تتأرجح بين الدعم والضغط وكذلك بين التعاطف والعنف الرمزي.
وقد عبّرت الدمى في هذا العرض عن الألم والخوف والوصم الاجتماعي. كما أسهمت في بناء صورة مسرحية غنية بالدلالات. وتؤكد هذه المقاربة اشتغال حبيبة الجندوبي المستمر على تقاطع فن العرائس مع بقية الفنون الأدائية والبحث في إمكاناته التعبيرية خارج الأطر التقليدية. وقد فتحت المخرجة من خلال "الرحلة" نقاشا أوسع حول وضع المرأة وحرية الجسد وكيفية تعامل المجتمع مع الألم والاختلاف.
وتعدّ حبيبة الجندوبي من أبرز الأسماء في فن العرائس في تونس والعالم العربي، إذ انطلقت مسيرتها الفنية منذ سنة 1976 ضمن أول فرقة لمسرح العرائس في البلاد، وتكونت في المعهد العالي للفن المسرحي بتونس اختصاص فنون العرائس. وراكمت تجربة طويلة مكنتها من تقديم عروض في تونس وخارجها ونيل عدة جوائز. كما ساهمت في تكوين أجيال من العرائسيين وأشرفت على تأطير أولى دفعات الإجازة التطبيقية في فنون العرائس. إلى جانب ذلك، ألفت كتاب بعنوان "العرائس في تونس: الذاكرة والأثر" وأسست وترأست سنة 2018 لجنة تنظيم الدورة الأولى لأيام قرطاج لفنون العرائس.





10° - 17°









