لقاء فكري بالمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر يناقش إشكاليات المفهوم والممارسة في الفنون التشكيلية بتونس

أجمع مختصون وباحثون في الفن التشكيلي أن راهن الممارسة التشكيلية في تونس يطرح أسئلة تتجاوز العرض الفني إلى قضايا المفهوم والمؤسسة والتكوين والتثمين والاقتصاد الثقافي. مؤكدين على أن تجاوز "الأزمة" يقتضي رؤية شمولية وتشاركية تقوم على الحوار وإعادة الاعتبار للفن والفنان وبناء منظومة ثقافية مستدامة تجعل من الفنون التشكيلية رافعة معرفية وجمالية واجتماعية.
جاء ذلك في إطار فعاليات الدورة الثانية للصالون الوطني للفنون التشكيلية (24 جانفي – 24 فيفري 2026) حيث احتضن المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، مساء اليوم الجمعة 30 جانفي 2026، لقاء فكريا بعنوان "راهن الممارسة التشكيلية في تونس: تحيين المفهوم وفهم الممارسة"، أثثه الأساتذة الحبيب بيدة وعبد الواحد مكني ومفيدة الغضبان وهيثم جميّل.
واستهلت اللقاء مفيدة الغضبان بمداخلة تمحورت حول مساءلة مفهوم "الصالون" ذاته، معتبرة أن الصالون هو مفهوم ثقافي وجمالي وسياسي في الآن نفسه وهو ليس مجرد إطار لعرض الأعمال الفنية. وطرحت تساؤلات حول مدى جدوى الاكتفاء بصيغة الصالون وإمكانية التفكير في صيغ موازية أو بديلة تمثل تنوع الممارسات التشكيلية. وتوقفت عند إشكالية الحديث عن "المفهوم" بصيغة المفرد، مؤكدة أن كل حديث عن مفهوم الفن أو الصالون يستبطن تعددية المفاهيم واختلافها باختلاف الفاعلين والممارسات.
وفي سياق حديثها عن المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، شددت على الدور الأرشيفي والمعرفي للمتحف، وعلى أهمية "الكاتالوغ" بوصفه وثيقة متحفية ووطنية، متسائلة عما إذا كان "الكاتالوغ" المصاحب للصالون قادرا على تمثيل الذاكرة التشكيلية الوطنية وخدمة الباحثين والدارسين مستقبلا. ودعت إلى مقاربة ثقافية شاملة تعتبر الثقافة نتاج تراكمات تشمل البحث الأكاديمي والورشات والمعارض واللقاءات الفكرية لا أن تكون مجرد سياسات ظرفية أو مؤسسات إدارية.
من جهته، قدّم الأستاذ الحبيب بيدة مداخلة مطولة ذات بعد تاريخي ونقدي، استعاد فيها نقاشات مماثلة تعود إلى أكثر من خمسين سنة، مبرزا أن الأسئلة المطروحة اليوم حول واقع الفنون التشكيلية ليست جديدة وإنما تتكرر مع اختلاف السياقات. وأشار إلى المفارقة القائمة بين توسّع منظومة التكوين الأكاديمي في الفنون التشكيلية وغياب مسارات مهنية واضحة للفنانين المتخرجين. وبيّن بيدة أن الدولة التونسية استثمرت بشكل كبير في التعليم الفني إذ تُعد من أكثر الدول العربية وحتى مقارنة ببعض الدول الأوروبية من حيث عدد مؤسسات التكوين في الفنون التشكيلية، "غير أن هذا الاستثمار لم يواكَب بسياسات ثقافية واقتصادية قادرة على استيعاب هذا الكم من المبدعين ما أدى إلى هشاشة الوضع المهني للفنان التشكيلي".
وتوقّف عند التحولات المفاهيمية التي عرفها الحقل من "الفنون الجميلة" إلى "الفنون التشكيلية" ثم "الفنون البصرية"، معتبرا أن هذه التحولات "لم تدعم بإنتاج معرفي ونقدي كاف ولا ببناء حركات فنية واضحة المعالم". كما قارن بالمنظومات الغربية، حيث تُعد المتاحف والفنون جزءا من الاقتصاد الثقافي والسياحي في حين لا يزال الفن التشكيلي في تونس معزولا عن محيطه الاجتماعي والاقتصادي.
أما الأستاذ عبد الواحد المكني، فقد انطلق من ضرورة إعادة التفكير في مفهوم "تحيين المفهوم" ذاته، معتبرًا أن المفهوم لا يمكن فصله عن الزمن والسياق والمؤسسة. ودعا إلى مقاربة جماعية للفن، تقوم على تقاسم المسؤوليات بين الفنان، الجامعة، المؤسسة الثقافية، والدولة. وسلط الضوء على التاريخ المؤسسي للفنون في تونس منذ الفترة الاستعمارية إلى اليوم، مبرزا أن الفنون التشكيلية رغم ريادتها التاريخية، لم تحظ بنفس مستوى التثمين الذي حظيت به مجالات أخرى كالمسرح أو الموسيقى. كما انتقد غياب سياسات واضحة تحمي الفنان وحقوقه الفكرية، خاصة في ظل التحديات الجديدة التي تطرحها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وأكد المكني على أهمية البحث الأكاديمي والنقد الفني بوصفهما ركيزتين أساسيتين لفهم الممارسة التشكيلية وتطويرها، محذرا من اختزال الفن في بعده الاستهلاكي أو المناسباتي. كما أشار إلى الأبعاد الإنسانية والاجتماعية "الخطيرة" لتهميش الفنان والتي قد تصل إلى العزلة أو "الانتحار الرمزي"، بحسب توصيفه.
وفي مداخلة تحليلية، ركّز هيثم جميّل على البعد البنيوي للأزمة، معتبرا أن الإشكال ليس في كثرة عدد خريجي الفنون التشكيلية وإنما في ضعف المنظومة التي تحتضن الإنتاج الفني بعد التكوين. وأكد أن الجامعة لا تصنع الفنان وإنما تمنحه أدوات أولية، فيما يتكوّن الفنان الحقيقي عبر الاحتكاك بالسوق وبالجمهور وبالوسط المهني.
وتحدث عن "هشاشة" سوق الفن في تونس و"ضعف" الوساطة الثقافية و"غياب" النقد الفني المتخصص، معتبرا أن هذه العناصر أساسية في بناء القيمة الرمزية للعمل الفني. كما شدد على الدور المحوري للمتحف في حفظ الذاكرة الفنية وإنتاج السرديات وتمكين الجمهور من تجربة الفن، داعيا إلى تجاوز مركزية المتحف الواحد نحو شبكة متاحف جهوية تضمن عدالة النفاذ إلى الثقافة.




10° - 14°









