الإقامة الفنية بأيام قرطاج لفنون العرائس: الظلّ الذي يضيء خيط الوصول إلى الحقيقة

يقال أنّ الظل شيء هشّ، لا شكل له ومفتوح على جميع الانحرافات والانحناءات وعلى جميع الإمكانات، ولهذا السبب يبدو الظلّ متصلا بجوهر الفنّ، فالفنّ كل شيء ولا شيء في آن واحد، وهو لعبة إيهام نطارد بها حقيقة أعظم من الواقع المبذول أمام الحواس، ومن هذا المنطلق تكتسي رحلة المبدع أهمية قصوى، كونه يخلق من الظلّ كلّ شيء، ويترك للمتقبّل الفضاء ليخترق هذا الظلّ ويتبنّاه علّه يسعفه بقسط من الحقيقة.
هنا، بإحدى قاعات التّمرين بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، والجميع منهمك في التحضير، كلّ يبدع من مكانه، يتحسّس الدقائق والسّاعات نحو اللحظة الصّفر، يوم افتتاح أيام قرطاج لفنون العرائس، في موعد استثنائي، ومن وراء هذا الباب المغلق، الذي تفتحه ليباغتك النور الخافت، ضوء قليل وسط كمّ ملحوظ من الحراك، والحركة.
هنا في هذه الغرفة، ستار أبيض، وضوء متسلّل من هذا الرّكن أو ذاك، وخيالات تتراقص وتتزاحم، ثم يأتي حلم ليتمثّل عبر الحركة، وحين يسعى المؤطّر إلى استفزاز طلبته، وحثّهم على صنع فرجة تتحقق الأمنية، ويتفجّر الرّكح.
يلتقي الفكر هنا بأنامل المحرّكين لتلك الخيالات التي هي في الأصل أجسام ومجسّدات كرتونية أو بلاستيكية أو حديدية ينجح خيال مبدعها في بعث حياة فيها، فتظهر للرّائي كبيرة وذات وجه غامض، تحتلّ عقله لتسرد له حكايتها.
وتحت عنوان “الظلال، من الواقع إلى الخيال”، وفي إطار الدورة السّابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس، انطلقت بتاريخ 19 جانفي 2026 بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي الإقامة الفنية التي تتواصل إلى حدود يوم 31 من الشهر نفسه.
ويستلهم هذا المشروع الذي يؤطّره المخرج والعرائسي الهادي كريسعان من ظلال حياتنا اليومية ليسرد قصّة في عالم مواز غير الذي نعيش فيه، عالم الظلّ الذي يستفزّ الخيال، ويداعب الذاكرة لتبحث في ثناياها عن خيط الحكاية.
أليس الخيط هو أصل الحكاية؟ ذلك الخيط الرّفيع الذي لا يرى بالعين المجرّدة ولكنه يسترعي انتباه المتأمّل في تلك الظلال المتحركة ليغوص في التفكير ثم يدرك ما يحدث هنا والآن أو في زمن من الماضي الذي نعرف عنه القليل أو الكثير.
يقول الهادي كريسعان، وهو يصف أجواء هذه الرحلة الفنية والتكوينية” قدّمنا في البداية تجربة التّكوين النظري للطلبة والعرائسيّين الذين واكبوا هذه الإقامة وهم من أبناء المركز الوطني لفن العرائس إلى جانب عدد من طلبة السنة الثالثة بالمعهد العالي للفنّ المسرحي فضلا عن عدد آخر من طلبة الفنون الجميلة في اختصاص “سينوغرافيا”، والجانب النظري يتعلّق أساسا بمكونات مسرح الظلّ وبشكل خاص دور الضّوء في تحقيق اللعبة المشهدية، وانطلاقا من بداية الأسبوع الثاني انطلقنا في التحضير لعمل مسرحي قصير، لا تتجاوز مدّته الستّ دقائق، سيكتشفه الجمهور في يوم الافتتاح.”
ويقدم الفنان الهادي كريسعان تكوينا في مسرح الظلّ الحديث، هذا الذي يختلف عن مسرح الظلّ التقليدي في اعتماده على الفضاء بعمقه الشّكلي والّدلالي وعدم اكتفائه بالصورة ثنائية الأبعاد، تلك الصورة المسطّحة التي تلتصق بالجدار منذ بدء الحكاية وحتى النهاية.
وسيكون الموعد يوم الأحد غرّة فيفري 2026 مع مسرحية من إنجاز أبناء الإقامة الفنية وتسرد في أحضان دقائقها الستّ حكاية هذا المركز الذي ولد كبيرا، وحقّق منذ كان فرقة لفنون العرائس سنة 1976 أحلاما تتلوها أحلام ورؤى وفكر يختصر تاريخ الإبداع والعطاء …أسماء وأماكن وقصص ومواقف تشهد على هذه الولادة وهذا الحدث الكبير، مرور 50 عاما على تأسيس المركز الوطني لفنّ العرائس، مرور عشرات السّنين الحبلى بالعطاء.




11° - 18°






