"إقامة شهيرة" لعبد العزيز المحرزي: مسرحية كوميدية تنتقد الذكورية وسلطة المال

احتضن مسرح الجهات بمدينة الثقافة مساء الجمعة 23 جانفي 2026، العرض الأول لمسرحية "إقامة شهيرة" من إخراج عبد العزيز المحرزي، وهو عمل مسرحي جديد يندرج ضمن إنتاج مشترك بين مسرح أوبرا تونس والتلفزة التونسية. ويعيد هذا العرض قراءة نص كلاسيكي من التراث المسرحي العالمي عبر مقاربة تونسية معاصرة تسعى إلى مساءلة قضايا اجتماعية وثقافية ما تزال مطروحة في الوقت الراهن.
وهذه المسرحية اقتبسها عبد العزيز المحرزي عن النص الشهير "La Locandiera" للكاتب الإيطالي "كارلو غولدوني"، محافظا على البنية العامة للنص الأصلي وروحه الكوميدية مع إدخال تعديلات على مستوى السياق والشخصيات واللغة بما ينسجم مع البيئة المحلية ويقرب العمل من المتفرج التونسي.
ويعتمد العرض على السخرية كأسلوب تعبيري أساسي باعتبارها وسيلة لنقد أنماط من السلوك الاجتماعي وفي مقدمتها العلاقة بين الجنسين وتمثلات السلطة وتحولات القيم المرتبطة بالمال والمكانة الاجتماعية.
وتتمحور أحداث المسرحية حول شخصية امرأة (شهيرة) تدير إقامة تستقبل فيها نزلاء من خلفيات اجتماعية مختلفة. وتتميز هذه الشخصية بالذكاء وحسن التدبير والقدرة على التحكم في فضاء الإقامة وعلاقاتها الداخلية ما يجعلها محور الأحداث والبناء الدرامي والصراع بين الشخصيات لكسب ودها. ويحيط بها عدد من الرجال الذين تتباين مواقفهم منها، فمنهم من يسعى إلى استمالتها اعتمادا على ثروته ونفوذه المالي، ومنهم من يتكئ على رمزية الأصل الاجتماعي والنسب. وفي مقابل هذه النماذج، يقدم النص رجلا يعلن قطيعته المبدئية مع النساء، ويبدي موقفا عدائيا من الحب والعاطفة، معتبرا إياهما شكلا من أشكال الضعف. وهذا الموقف مثّل عنصر توتر أساسي داخل البناء الدرامي، إذ يدفع مالكة الإقامة إلى الدخول في لعبة إغواء هدفها زعزعة يقين هذا الرجل وكشف تناقض خطابه. غير أن هذا المسار لا يسير في اتجاه واحد، إذ تتحول لعبة السيطرة العاطفية تدريجيا إلى مساحة اختبار متبادل تنكشف من خلالها هشاشة المشاعر وحدود التحكم فيها.
وعلى مستوى الدلالات، يطرح العمل رؤية نقدية لوضع المرأة داخل مجتمع تسوده علاقات قوة غير متكافئة، دون أن يقدمها في صورة الضحية السلبية وإنما باعتبارها فاعلا واعيا بآليات التأثير والمناورة. كما يعرّي العرض ممارسات طبقة اجتماعية صاعدة ترى في المال أداة شاملة لفرض النفوذ وشراء الذمم، مقابل طبقة أخرى تتمسك برمزية الأصل والمكانة من دون قدرة حقيقية على مواكبة التحولات الاجتماعية. ويكشف النص، في الحالتين، عن أشكال مختلفة من الوهم الاجتماعي ويضعها موضع مساءلة.
أما على مستوى الخصائص الفنية المميزة للعرض، فقد اختار المخرج أن يكون العمل من نوع الـ "فودفيل" ملبيا مقوماته من موسيقى حية ورقص ومواقف هزلية ساخرة. أما السينوغرافيا فكانت قائمة على عدد محدود من القطع التي يعاد توظيفها داخل الفضاء الركحي بما سمح بتحويل المكان الواحد إلى وظائف متعددة من قاعة استقبال إلى غرف خاصة.
وشارك في أداء أدوار المسرحية كل من إباء حملي وفرحات الجديد وجلال الدين السعدي وشكيب الغانمي ولطفي الناجح وأميمة المحرزي ويسرى طرابلسي وصبري البوهالي وعازف الكمان راضي الشوالي.
وضم الفريق الفني والتقني للعمل يسرى القصباوي (مخرج مساعد وإدارة الإنتاج) ومراد الحرباوي (لوحات) وصبري عتروس (إضاءة) وهيكل سعايدي (توضيب) ويوسف بو عجاجة (مابينغ) وقيس بو الأعراس (كوريغرافيا) وإيناس بوزيان (ملابس) وسامي ماجري (صناعة الديكور).




8° - 17°








