البث الحي

الاخبار : سينما

44775327_346850239217512_14944699483684864_n

« لقشة من الدنيا » لنصر الدين السهيلي: شيء من الإنسانية في عالم الإدمان والانتحار المعلن

إذا كنت تخشى مواجهة حقيقة عنف الواقع المأساوي وتعتقد أن ذلك يحدث للآخرين فقط، فلا تشاهد هذا الفيلم الذي سيأخذك في رحلة إلى العوالم السفلية لمدمني « السوبيتاكس » من الهامشيين الذي ألقت بهم المخدرات وحبوب الهلوسة خارج الاهتمام العام، إنما سوف يورطك في حقيقة أن هؤلاء الهامشيين هم بشر بأحلام ومشاعر متدفقة،
أولا، يجب التنويه بأن كثيرا مما قيل عن فيلم « لقشة من الدنيا » أو « سوبيتاكس » من أنه عن الحياة الحميمية للمثليين والمنحرفين ليس صحيحا، ذلك أن العلاقة بين الشخصيتين الأساسيتين في الفيلم « رزوقة ولطفي فانتا » ثم ثالثهما « لطفي ناقة » تخرج عن أي مقياس اجتماعي، فيها خلط بين مشاعر الأبوة والأخوة والصداقة وحتى الأمومة، فهما يعتنيان ببعضهما لأنهما ليس لهما من يهتم بهما أصلا وهي بروفيلات معروفة في علم نفس عند المشردين، فقط: الحوار كان تلقائيا وواقعيا إلى درجة صادمة، لكنك لا تحس أنه مفتعل أو خارج عن سياقه، في المقابل، ستنظر بإعجاب إلى هذا العمل الذي تطلب صبرا خرافيا لمرافقة هؤلاء الهامشيين على مدى خمس سنوات في عوالم العنف والليل والإدمان في أحياء معروفة بخروجها عن النظام وإقناعهم بالبقاء في إطار الصورة مع الاحتفاظ بتلقائية وعفوية مذهلتين. سجلت الكاميرا كل تفاصيل المخدرات والمشروبات الكحولية وما يقترن بهما من طقوس وحالات هذيان وعنف وتيه، وكان واضحا أن مجرد قبول هؤلاء الهامشيين بالمشاركة في هذا العمل التوثيقي يفند الصورة النمطية السلبية المسبقة عنهم من رفضهم للمجتمع أو عدوانيتهم تجاه من لا ينتمي إلى عوالمهم، فينجح المخرج في إقناعنا بأنهم لا يمانعون في تصوير ونقل مآسيهم اليومية إلى العلن، إلى الرأي العام بكل ما فيها من قبح وعنف. لقد نجح في إقامة علاقة إنسانية بين الكاميرا وأشخاص هذا العالم حتى أنه يصبح في بعض لقطات الفيلم طرفا في الأحداث، خصوصا في النهاية حين يتوجه له لطفي بالعتاب قبل أن يرحل مختفيا بخطواته المتعثرة تحت المطر وتوقيت غامض لا نعرف إن كان فجرا أو بداية الليل، ونحن نتساءل مع الكاميرا عما إذا كان سيصمد طويلا أمام عنف العالم الذي يعيش فيه.
لقد اقتربت الكاميرا كثيرا وبطريقة بؤرية من شخصيتي الفيلم بطريقة إيجابية بحثا عن الإنسانية وسط كل ذلك القبح والعنف والأسى، لتذكرك في كل لحظة أنه في كل ذلك البؤس ثمة روح بشرية لها ذكريات طفولة وأم تحن إلى ذكراها وحلم بالزواج والحب ولم يعد لها مبرر للحياة سوى الصداقة، ترافقها الكاميرا إلى الحلاق بحثا عما تحت الوجه الدامي بالعنف والإدمان والإرهاق، ثم إلى الاغتسال في حمامات قربص، الاغتسال من أدران الجسد أم الروح ؟ الروح التي تدمرها حقن السوبيتاكس، يقول: « السوبيتاكس، تسد عروق القلب، تسد عروق المخ، شطر أصحابي ماتوا بها »، هل هو استسلام للانتحار المعلن ؟
يقول له الطبيب في الفيلم: « عندك البوصفير في الدم، لكن لحسن الحظ، السيدا ليس بعد »، وفي هذا الجزء يطرح الفيلم مشكلة الهامشيين الذين تكاثروا في تونس خصوصا بعد الثورة، دون أن يفكر أحد في مساعدتهم كما يحدث في مجتمعات متقدمة على الخروج من الحلقة الجهنمية للإدمان والتشرد والعنف، لكن هذا الفيلم يعيد إلى الأذهان بشكل دائم حقيقة أنهم بشر، وأن ثمة مسؤولية جماعية فيما آل إليه وضعهم.
لا يتدخل المخرج حتى في الأحداث ويترك لشخصياته حرية مطلقة في التصرف على هواها وبتلقائية، وكثيرا ما يترك لطفي أو رزوقة ينصرفان من أمام الكاميرا، أو يتركهما يتبادلان العنف والصراخ، هو فقط حاضر بصفته أصبح مقبولا في ذلك العالم الغريب، لا يقدم الفيلم أي خطاب أخلاقي كما لا يبدي أي تعاطف مع الشخصيتين التعيستين، يكتفي بأن يرمي في وجوهنا هذه الظاهرة التي تزداد كثرة وحدّة بعد الثورة، ظاهرة انتشار المخدرات وحبوب الهلوسة مع ما يرافقها من تفشي الأمراض والفيروسات القاتلة، فقط كانت ثمة دعوة يقدمها أحد المتدخلين في الفيلم لإنشاء جمعيات تعنى بأمثال هؤلاء الذين نتقاسم معهم الانتماء إلى الإنسانية.

كمال الشارني 

 

 

بقية الأخبار

الميثاق-التحريري

مشروع إصلاح الإذاعة التونسية

مدونة-سلوك

الميثاق

تابعونا على الفيسبوك

فيديو